موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٨٣
اللحوم ، أمّا أن تلبس الحجاب فهذا أمر له تبعاته الاجتماعيّة والعائليّة ، ولم يجدوا له مبرّرات أو تفسيرات ، ممّا أدار النقاشات بينهم بكلّ حدّة فأخذت الموقف المحايد ، ولم أدخل على خطّ التوتّر الدائر بينهم على أساس أنّ الموضوع يجب التفاهم عليه ضمن العائلة ، وبقيت أتجاهل هجومهم لإثارتي وأترك الردّ لها ، فهي ابنتهم بالنهاية برغم صداقتي معهم ، واتّخذ عدم تدخّلي المباشر ـ رغم تعمّد إقحامي ـ بعداً إيجابيّاً ممّا زاد من رباطة جأشها إلى أقصى الحدود ، ولم أعرف كيف استطاعت الصبر على ذلك لولا جوابها لي في إحدى المرّات ـ عندما كنت أوضّح لها استغرابي لطريقة اساءاتهم لها ـ حيث أجابتني بقولها: "ألست تقول أنّ اللّه يحاسب في الآخرة؟ وأنّ علينا أن نحترم أهلنا على أن لا يضلّونا؟".
اطمأنّ بالي لحسن إدارتها للأمر مع أنّه حقّاً كان شيئاً صعباً بالنسبة لهم ، فهي ابنتهم ، ويخافون عليها بسبب ما وصلهم عن العرب من أنّهم يحتقرون المرأة ، ويقفلون عليها الأبواب ، وأنّها تباع وتشترى ، وبأنّ ذلك مقدّمة لتركهم إلى بلاد بعيد ومجتمع جاهل ومتخلّف!
والأمر الثاني هو أنّ أهلها أرسلوها إلى مدرسة راهبات للبنات لتتلقّى أفضل تربية مسيحيّة دينيّة ودنيويّة ، وها هم اليوم وقد تحوّلت ابنتهم إلى دين آخر لا يعرفون عنه شيئاً. أضف إلى ذلك نظرات الأقارب وأسئلتهم وموقف الأهل الضعيف أمامهم! فلو اقتصر أمر إسلامها على أن لا تأكل اللحم ، وأن تصوم وتصلّي ، لقبلوا ذلك منها ولو على مضض ، ولكن أن لا تصافح الأقارب باليد ، وأن ترتدي الحجاب ، ولا تحضر الولائم لوجود الخمرة ، فهذه أمور خطيرة وصعبة لا يمكن لهم أن يتحمّلوها.
لقد كان صراعاً صعباً ، إنّها ابنتهم ، وهذا "المسلم" لا يملكون أيّة تهمة ضدّه ، ولذا استمر الهجوم عليها وحدها ، فهي "البلهاء" التي لا تعرف ماذا تفعل ، وفي الوقت نفسه كانوا يرون أنها سعيدة وإيجابيّة وخلوقة معهم أكثر من ذي قبل ،