دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٥٧ - باب رجوع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) من تبوك، و أمره بهدم مسجد الضّرار، و مكر المنافقين به في الطريق و عصمة اللّه تعالى إياه و اطلاعه عليه، و ما ظهر في ذلك من آثار النبوة
(١) حذيفة غضب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فرجع و معه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم، فضربها ضربا بالمحجن، و أبصر القوم و هم متلثمون، لا يشعر إنما ذلك فعل المسافر، فرعّبهم اللّه عز و جل حين أبصروا حذيفة، و ظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، و أقبل حذيفة حتى أدرك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فلما أدركه، قال: اضرب الراحلة يا حذيفة، و امش أنت يا عمّار، فأسرعوا حتى استوى بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لحذيفة: هل عرفت يا حذيفة من هؤلاء الرهط أو الركب، أو أحدا منهم؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان و فلان، و قال: كانت ظلمة الليل، و غشيتهم و هم متلثمون، فقال (صلّى اللّه عليه و سلّم): هل علمتم ما كان شأن الركب و ما أرادوا؟ قالوا: لا و اللّه يا رسول اللّه، قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها، قالوا: أ فلا تأمر بهم يا رسول اللّه إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدّث الناس و يقولوا إن محمدا قد وضع يده في أصحابه، فسماهم لهما، و قال: اكتماهم [٤].
و أخبرنا محمد بن عبد اللّه الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال:
فلما بلغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الثنية نادى منادي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): أن خذوا بطن الوادي فهو أوسع عليكم، فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد أخذ الثنية، فذكر الحديث في مكر المنافقين بنحو ممّا ذكرنا في رواية عروة إلى قوله لحذيفة: هل عرفت من القوم أحدا؟ فقال: لا و لكني أعرف رواحلهم، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): إن اللّه
[٤] نقله الحافظ ابن كثير في البداية و النهاية (٥: ١٩)، عن المصنف، و قد روى الخبر الإمام أحمد عن أبي الطفيل، و ابن سعد عن جبير بن مطعم.