دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٣٥ - باب ثبوت النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و استنصاره ربّه و دعائه على المشركين
(١) أبو اسامة، عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، قال قال رجل للبرآء أ كنتم و ليتم [٥] يوم حنين يا أبا عمارة؟ فذكر معنى هذا الحديث يزيد و ينقص، و قال في آخره: فنزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فدعاه و استنصر و هو يقول:
انا النبي لا كذب* * * أنا ابن عبد المطلب [٦]
اللهم نزّل نصرك، قال: و كنا و اللّه إذا حمي البأس نتقي به، و ان الشجاع الذي يحاذي به.
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عيسى بن يونس عن زكريا [٧].
و رويناه في حديث شبابة بن عاصم السّلميّ ان النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال يوم حنين أنا
[٥] قال الصالحي في السيرة الشامية (٥: ٦١٠).
تضمّن قول السّائل للبراء في الرواية الثانية أ ولّيتم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و في الثالثة أ فررتم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و قول البراء رضي اللّه عنه، فأشهد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أنه لم يولّ، و قوله في الرّواية الثانية «لكنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يقر إثبات الفرار، لكن لا على طريق التعميم، و أراد أنّ إطلاق السّائل يشمل الجميع حتّى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) بظاهر الرّواية الثانية، و يمكن الجمع بين الثّانية و الثالثة بحمل المعية على ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك و ختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و يحتمل أن البراء فهم أنّ السائل اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع، و مررت برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منهزما، فلذلك حلف البراء أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) لم يولّ، و دلّ على أن منهزما حال من سلمة، و لهذا وقع في طريق أخرى «و مررت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) منهزما و هو على بغلته» فقال: لقد رأى ابن الأكوع فزعا، و يحتمل أن يكون السائل أخذ العموم من قوله تعالى: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ فبيّن البراء أنه من العموم الّذي أريد به الخصوص.
[٦] انتسب (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى عبد المطلب دون أبيه عبد اللّه لشهرة عبد المطلّب بين النّاس لما رزق من نباهة الذّكر و طول العمر، بخلاف عبد اللّه فإنه مات شابّا و لهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب كما في حديث حماد في الصحيح و قيل لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى اللّه و يهدي اللّه تعالى الخلق على يديه، و يكون خاتم الأنبياء، فانتسب ليتذكر ذلك من كان يعرفه، و قد اشتهر ذلك بينهم، و ذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوّج عبد اللّه آمنة و أراد (صلّى اللّه عليه و سلّم) تنبيه أصحابه بأنه لا بدّ من ظهوره، و إن العاقبة له لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ثابت غير منهزم.
[٧] أخرجه مسلم في الموضع السابق، الحديث (٧٩)، ص (٣: ١٤٠١) عن أحمد بن جناب المصصي، عن عيسى بن يونس، عن زكريا، عن أبي إسحاق السبيعي.