دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٤٩٦
(١) قد يتوهّم كثير من النّاس أن بين الحديثين خلافا، و ذلك أنه أخبر في حديث أبي هريرة أنه سيّد ولد آدم، و السّيد أفضل من المسوّد، و
قال في حديث ابن عباس ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى
و الأمر في ذلك بيّن و وجه التوفيق بين الحديثين واضح، و ذلك أنّ قوله أنا سيد ولد آدم إنما هو إخبار عمّا أكرمه اللّه تعالى به من الفضل و السّؤدد، و تحدث بنعمة اللّه تعالى [١٤] عليه و اعلام لأمته و أهل دعوته، علوّ مكانه عند ربه و محله من خصوصيّته ليكون إيمانهم بنبوّته و اعتقادهم لطاعته على حسب ذلك، و كان بيان هذا لأمّته و إظهاره لهم من اللازم له و المفروض عليه.
فأما قوله في يونس (عليه السلام) فإنه يتأول على وجهين:
(أحدهما): أن يكون قوله ما ينبغي لعبد إنما أراد به من سواه من الناس دون نفسه.
(و الوجه الآخر): أن يكون ذلك عامّا مطلقا فيه و في غيره من الناس، و يكون هذا القول منه على سبيل الهضم من نفسه، و إظهار التواضع لربه يقول لا ينبغي لي أن أقول أنا خير منه لأن الفضيلة التي نلتها كرامة من اللّه و خصوصيّة منه لم أنلها من قبل نفسي، و لا بلغتها بحولي و قوتي فليس لي أن أفتخر بها، و إنّما خصّ يونس بالذكر فيما نرى و اللّه أعلم [لما قد قص اللّه علينا من شأنه و ما كان] [١٥] من قلّة صبره على أذى قومه، و خرج مغاضبا له و لم يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل.
قال أبو سليمان (رحمه اللّه): و هذا أولى الوجهين و أشبههما بمعنى
[١٤] من (أ)، و (ك).
[١٥] ما بين الحاصرتين سقط من (أ).