دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٨٧ - باب وفد نجران
(١) مجلس،
فقالوا: يا عثمان و يا عبد الرحمن! إن نبيّكما كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلّمنا عليه فلم يردّ سلامنا، و تصدّينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلّمنا فما الرأي منكما: أ نعود أم نرجع؟ فقالا لعليّ بن أبي طالب و هو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال عليّ لعثمان و لعبد الرحمن رضي اللّه عنهم: أرى أن يضعوا حللهم هذه و خواتيمهم و يلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودون إليه. ففعل وفد نجران ذلك، و وضعوا حللهم و خواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فسلموا فردّ بسلامهم ثم قال: «و الذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى و إنّ إبليس لمعهم».
ثم ساءلهم و ساءلوه فلم تزل به و بهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى بن مريم؟ فإنا نرجع إلى قومنا و نحن نصارى يسرّنا إن كنت نبيّا أن نعلم ما تقول فيه. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركما بما يقال في عيسى».
فأصبح الغد وقد أنزل اللّه عز و جل هذه الآية: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ إلى قوله فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [١١].
[١١] [آل عمران الآيات (٥٩- ٦١)]، و تفسيرها أي في كونه خلق من غير أب كمثل آدم خلقه من تراب يابس فجعله بشرا: لحما و دما «ثم قال له كن فيكون» فمثل عيسى عند اللّه كمثل آدم أي شأنه الغريب كشأن آدم (عليهما السلام). «خلقه من تراب» جملة مفسرة للتمثيل لما له من الشبه و هو أنه تعالى خلق آدم من تراب بلا أب و لا أم فشبّه حاله بما هو أغرب إفحاما للخصم و قطعا لمواد الشبهة، و المعنى خلق قالبه من تراب ثم قال له «كن» أي أنشأه بشرا سويّا بقوله «كن» كقوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ. و يجوز أن تكون «ثمّ» لتراخي الخبر لا المخبر فيكون حكاية حال ماضية.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر محذوف أي الحقّ المذكور من اللّه عز و جل، فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ