دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٨٦ - باب وفد نجران
(١) في ذريّة إسماعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا هو ذلك الرجل، ليس لي في النبوّة رأي، لو كان أمر من أمر الدنيا أشرت عليك فيه، و جهدت لك، فقال له الأسقف: تنحّ فاجلس فتنحّى شرحبيل فجلس ناحية.
فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد اللّه بن شرحبيل، و هو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب، و سأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف: فاجلس، فتنحى فجلس ناحية.
فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبّار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب و سأله عن الرّأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل و عبد اللّه، فأمره الأسقف فتنحى فجلس ناحية.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جمعا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، و رفعت المسوح في الصوامع، و كذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار و إذا كان فزعهم ليلا ضربوا بالناقوس و رفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضرب الناقوس و رفعت المسوح أهل الوادي أعلاه و أسفله، و طول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع و فيه ثلاث و سبعون قرية، و عشرون و مائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و سألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، و عبد اللّه بن شرحبيل الأصبحي و جبار بن فيض الحارثي فيأتونهم بخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم و لبسوا حللا لهم يجرّونها من حبرة، و خواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسلّموا عليه، فلم يردّ (عليهم السلام)، و تصدّوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم و عليهم تلك الحلل و الخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، و عبد الرحمن بن عوف، و كانا معرفة لهم، كانا يجدعان العتائر إلى نجران في الجاهلية فيشتروا لهما من بزّها و ثمرها و ذرتها، فوجدوهما في ناس من المهاجرين و الأنصار في