دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٦ - باب نزول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمرّ الظهران و ما جرى في أخذ أبي سفيان بن حرب و حكيم ابن حزام و بديل بن ورقاء و إسلامهم و عقد الأمان لأهل مكة بما شرط و دخوله مع المسلمين مكة و تصديق اللّه تعالى ما وعد رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)
(١) أبو علاثة قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: ثم خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في اثني عشر ألفا من المهاجرين و الأنصار، و غفار، و أسلم، و مزينة، و جهينة، و بني سليم، و قادوا الخيول حتى نزلوا بمرّ الظهران، فلم تعلم بهم قريش، و بعثوا أبا سفيان و حكيم بن حزام فلقيا بديل بن ورقاء فاستصحباه حتى إذا كانوا بالأراك من مكة و ذلك عشاء، و إذا الفساطيط و العسكر و سمعوا صهيل الخيل فراعهم ذلك، و فزعوا منه، و قالوا: هؤلاء بنو كعب حاشتها الحرب، قال بديل بن ورقاء: هؤلاء أكثر من بني كعب ما بلغ تأليبها هذا أ فتنجع هوازن أرضنا، و اللّه ما نعرف هذا أيضا.
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) قد بعث بين يديه خيلا تقبض العيون و خزاعة على الطريق لا يتركون أحدا يمضي، فلما دخل أبو سفيان و أصحابه عسكر المسلمين أخذتهم الخيل تحت الليل و أتوا بهم خائفين للقتل، فقام عمر بن الخطاب إلى أبي سفيان فوجأ عنقه و التزمه القوم و خرجوا به ليدخلوا به على النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فحبسه الحرس أن يخلص إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و خاف القتل، و كان عباس بن عبد المطلب خاصة [١٣] له في الجاهلية فنادى بأعلا صوته: ألا تأمر بي إلى العباس، فأتاه العباس فدفع عنه و سأل النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) أن يقيضه إليه، و فشا في القوم مكانه أنه عند عباس، فركب به عباس تحت الليل و سار به في عسكر القوم حتى ابصروه أجمع، و كان عمر رضي اللّه عنه قد قال لأبي سفيان حين وجأ عنقه: و اللّه لا تدنوا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) حتى تموت، فاستغاث بعباس- رضي اللّه عنه- فقال: إني مقتول، فمنعه من الناس أن ينتهبوه، فلما رأى كثرة الجيش، و طاعتهم، قال: لم أر كالليلة جمعا لقوم.
[١٣] في (أ): «خالصة أو خاصة».