دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٣٣ - باب نزول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بمرّ الظهران و ما جرى في أخذ أبي سفيان بن حرب و حكيم ابن حزام و بديل بن ورقاء و إسلامهم و عقد الأمان لأهل مكة بما شرط و دخوله مع المسلمين مكة و تصديق اللّه تعالى ما وعد رسوله (صلّى اللّه عليه و سلّم)
(١) بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) البيضاء، و قال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطّابا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليأتوه فيستأمنوه، فخرجت فو اللّه إني لأطوف بالأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان، و حكيم بن حزام، و بديل بن ورقاء، و قد خرجوا يتحسّبون الخبر عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فسمعت صوت أبي سفيان و هو يقول: ما رأيت كاليوم قط نيرانا، فقال بديل بن ورقاء: هذه و اللّه نيران خزاعة حمشتها [٥] الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة الأم من ذلك و أذلّ، فعرفت صوته، فقلت يا أبا حنظلة! و هو أبو سفيان، فقال: أبا الفضل! فقلت: نعم فقال: لبيك فداك أبي و أمي فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الناس فقد دلف إليكم بما لا قبل لكم به في عشرة آلاف من المسلمين، قال: فكيف الحيلة فداك أبي و أمي؟ فقلت.
تركب في عجز هذه البغلة فأستأمن لك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فإنه و اللّه لئن [٦] ظفر بك ليضربنّ عنقك، فردفني، فخرجت أركض به بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) نحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إليّ قالوا: عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) على بغلة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فنظر فرآه خلفي، فقال عمر: أبو سفيان! الحمد للّه الذي أمكن منك بغير عهد و لا عقد، ثم اشتدّ نحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ركضت البغلة حتى اقتحمت على باب القبّة و سبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرّجل البطيء، و دخل عمر على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول اللّه هذا أبو سفيان عدوّ اللّه قد أمكن اللّه منه بغير عقد و لا عهد، فدعني أضرب عنقه، فقلت: يا رسول اللّه إني قد أمنته، ثم جلست إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فأخذت برأسه و قلت: و اللّه لا يناجيه الليلة أحد دوني، فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلا يا عمر، فو اللّه لا تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني
[٥] (حمشتها الحرب): أحرقتها، و تروى هذه الكلمة: «حمستها» بالسين المهملة، فمعناها اشتتدت عليها، مأخوذة من الحماسة، و هي الشجاعة و الشدة.
[٦] في (ح): «فإن».