دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٧٨ - حديث كعب بن مالك و صاحبيه رضي اللّه عنهم
(١) صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا و ذهب قبل صاحبي مبشرون، و ركض رجل إليّ فرسا، و سعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، و كان الصوت أسرع إليّ من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت ثوبيّ فكسوتهما إياه ببشراه، و اللّه ما أملك غيرهما يومئذ، و استعرت ثوبين [١٥] فلبستهما و انطلقت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فتلقّاني الناس فوجا فوجا يهنؤنني بالتوبة يقولون:
ليهنك توبة اللّه عليك حتى دخلت المسجد فقام إليّ طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحني و هنأني ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره و لا أنساها لطلحة
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و هو يبرق وجهه من السرور: أبشر بخير يوم مرّ عليك مذ ولدتك أمك. قلت: أمن عندك يا رسول اللّه، أم من عند اللّه [تعالى]؟ قال: لا بل من عند اللّه تبارك و تعالى.
و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إذا بشّر ببشارة يبرق وجهه حتى كأنه قطعة قمر، و كنا نعرف ذلك منه فلما جلست بين يديه، قلت: يا رسول اللّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه عز و جل و إلى الرسول، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «أمسك [عليك] بعض مالك فهو خير لك، فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر،
و قلت: يا رسول اللّه إن اللّه عز و جل إنما نجاني بالصدق و إن من توبتي أني ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين ابتلاه اللّه في صدق الحديث مذ ذكرت ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أحسن مما ابتلاني ما تعمدت مذ ذكرت ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلى يومي هذا كذبا، و إني لأرجو أن يحفظني اللّه تعالى] فيما بقي، و أنزل اللّه عز و جل على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ، وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَ ضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا أَنْ
[١٥] استعارهما من أبي قتادة. قاله الواقدي.