دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٧٧ - حديث كعب بن مالك و صاحبيه رضي اللّه عنهم
(١) فالحق بنا نواسك، فقلت حين قرأتها: و هذا أيضا من البلاء، فتيمّمت به التنور فسجرته [١٢] بها حتى إذا مضت لنا أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتيني، فقال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت:
أطلقها أم ما ذا أفعل بها؟ فقال: لا بل اعتزلها، فلا تقربنها، و أرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي اللّه هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقالت: يا رسول اللّه إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليست له خادم فهل تكره أن أخدمه؟
فقال: لا و لكن لا يقربنّك. قالت: إنه و اللّه ما به حركة إلى شيء، و اللّه ما زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومي هذا، فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في امرأتك كما أذن لبلال بن أمية تخدمه، فقلت: و اللّه لا أستأذن فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ما يدريني ما يقول لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إن استأذنته فيها، و أنا رجل شابّ.
فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، و أنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللّه تعالى قد ضاقت عليّ نفسي، و ضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع [١٣]: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا، و عرفت أنه قد جاء الفرج، و آذن [١٤] رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بتوبة اللّه علينا حين صلّى
[١٢] أي أوقدته بها، أي الكتاب الذي هو الصحيفة، و هذا الصنيع من كعب يدل على قوة إيمانه، و محبته للّه و رسوله.
[١٣] هو جبل معروف بالمدينة، و في رواية معمر: «من ذروة سلع» أي: أعلاه.
[١٤] (آذن): أعلم.