دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ٢٢٢ - باب لحوق أبي ذرّ رضي اللّه عنه و أبي خيثمة رضي اللّه عنه
(١) يا رسول اللّه إن هذا الرجل يمشي على الطريق، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): كن أبا ذر [٤]، فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول اللّه هو و اللّه أبو ذرّ، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «يرحم اللّه أبا ذرّ يمشي وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده».
فضرب الدهر من ضربه، و سيّر أبو ذرّ إلى الرّبذة، فلما حضره الموت أوصى امرأته و غلامه إذا مت فاغسلاني و كفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرّون بكم فقولوا: هذا ابو ذر.
فلما مات فعلوا به كذلك فاطّلع ركب [فما] [٥] اعلموا به حتى كادت ركائبهم توطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهط من اهل الكوفة، فقال: ما هذا؟
فقيل: جنازة أبي ذر، فاستهلّ ابن مسعود يبكي، فقال: صدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم):
«يرحم اللّه أبا ذر! يمشي وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده.
فنزل فوليه بنفسه حتى اجنّه [٦].
و باسناده عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد اللّه بن أبي بكر بن حزم أنّ أبا خيثمة أخا بني سالم رجع بعد مسير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أياما إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين [٧] لهما في حايط قد رشّت كلّ واحدة منهما عريشها، و برّدت له فيه ماء، و هيّأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريشين، فنظر الى امرأتيه و ما صنعتا له، فقال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الضح [٨]
[٤] (كن أبا ذر) بلفظ الأمر، و معناه الدعاء كما تقول: اسلم، أي سلمك اللّه.
[٥] الزيادة من (ح (، و (ك).
[٦] رواه ابن هشام في السيرة (٤: ١٣٦- ١٣٧)، و نقله ابن كثير في التاريخ (٥: ٨).
[٧] في (أ) و (ح): «عريش»، و أثبتنا ما في (ك)، و هو موافق لما في سيرة ابن هشام، و العريش:
شبيه بالخيمة، يظلل فيكون أبرد الأخبية و البيوت.
[٨] (الضح) الشمس.