دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٧٧ - باب رجوع النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) الى الجعرانة و قسم الغنيمة و إعطاء المؤلفة، و ما قالت الأنصار في ذلك
(١) الغنائم في قومك، و في سائر العرب، و لم يكن فيهم من ذلك شيء، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: ما أنا الا امرؤ من قومي ما أنا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة [١٩]، فإذا اجتمعوا فيها فأعلمني»، فخرج سعد فصرخ فيهم فجمعهم في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فأذن لهم فدخلوا، و جاء آخرون فردهم، حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد الا اجتمع له أتاه فقال يا رسول اللّه قد اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم فخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) فقام فيهم خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا فهداكم اللّه تعالى و عاله فأغناكم اللّه و أعداء فألّف اللّه بين قلوبكم» قالوا بلى ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» فقالوا: و ما نقول يا رسول اللّه؟ و بما ذا نجيبك؟ المنّ للّه و لرسوله، فقال: «أما و اللّه لو شئتم لقلتم فصدقتم و صدّقتم: جئتنا طريدا فآويناك، و عائلا فآسيناك، و خائفا فأمّنّاك، و مخذولا فنصرناك»، فقالوا: المنّ للّه و لرسوله.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، و وكلتكم إلى ما قسم اللّه لكم من الإسلام، أ فلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس إلى رحالهم بالشاه و البعير، و تذهبون برسول اللّه إلى رحالكم؟ فو الذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا و سلكت الأنصار شعبا لسلكت [٢٠] شعب الأنصار و لو لا الهجرة لكنت امرءا من
[١٩] (الحظيرة): هي في الأصل مكان يتخذ للإبل و الغنم يمينها من الانفلات و هجمات اللصوص.
[٢٠] قوله (صلّى اللّه عليه و سلّم) «لسلكت وادي الأنصار» أو «شعب الأنصار» أراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) بهذا أو ما بعده التنبيه على جزيل ما حصل للأنصار من ثواب النصرة و القناعة باللّه و رسوله عن الدنيا، و من هذا وصفه فحقه أن يسلك طريقه و يتبع حاله. قال الخطابي: لما كانت العادات أن المرء يكون في نزوله و ارتحاله مع قومه- و أرض الحجاز كثيرة الأودية و الشعاب- فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديا و شعبا، فأراد أنه مع الأنصار قال: و يحتمل أن يريد بالوادي المذهب، كما يقال فلان في واد، و أنا في واد.