السيرة النبوية و أخبار الخلفاء - التميمي، أبو حاتم - الصفحة ٣٣٣ - السنة الثامنة من الهجرة
فلما بلغ أبا قحافة قدوم النبي (صلى اللّه عليه و سلم) مكة قال لابنة له من أصغر ولده: أي بنيتي! اظهري بي على ظهر قبيس و كان نظره قد كف إذ ذلك، فقال: أي بنية [١]! ما ترين؟
قالت: أرى سوادا مجتمعا، قال: تلك الخيل؛ ثم قالت: و اللّه قد انتشر السواد! فقال: و اللّه لقد دفعت الخيل سرعى إلى بيتي! فانحبطت به و تلقته الخيل قبل أن يصل إلى بيته.
و دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من [٢] أذاخر مكة [٢] على رأسه مغفر من حديد عليه عمامة سوداء [٣]، و لم يلق أحد من المسلمين قتالا إلا ما كان من خالد بن الوليد، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر بقتل ستة أنفس من المشركين قبل قدومهم إلى مكة، و قال: «أي موضع رأيتم هؤلاء فاقتلوهم»: عبد [٤] اللّه بن سعد بن أبي سرح [٥] و عبد اللّه بن خطل رجل من بني تميم بن غالب [٦] و الحويرث بن
فِيهِ وَ الْبادِ، و قال ابن عمرو بن عباس: الحرم كله مسجد؛ و الأصل الثاني أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) دخلها عنوة غير أنه منّ على أهلها بأنفسهم و أموالهم، و لا يقاس عليها غيرها من البلاد كما ظن بعض الفقهاء فإنها مخالفة لغيرها من وجهين: أحدهما ما خص اللّه به نبيه فإنه قال: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ و الثاني ما خص اللّه تعالى به مكة فإنه جاء: لا تحل غنائمها و لا تلتقط لقطتها و هي حرم اللّه تعالى و أمنه، فكيف تكون أرضها أرض خراج! فليس لأحد افتتح بلدا أن يسلك به سبيل مكة، فأرضها إذا و دورها لأهلها و لكن أوجب اللّه عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموها و لا يأخذوا منهم كراء في مساكنها؛ فهذا حكمها فلا عليك بعد هذا فتحت عنوة أو صلحا، و إن كانت ظواهر الحديث أنها فتحت عنوة.
و ذكر الهذلي الذي قتل و هو واقف فقال: أ قد فعلتموها يا معشر خزاعة! و روى الدار قطني في السنن أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) قال: «لو كنت قاتل مسلم بكافر لقتلت خراشا بالهذلي يعني بالهذلي قاتل ابن أثوغ و خراش هو قاتله و هو من خزاعة».
[١] وقع في ف «بينه» مصحفا.
[٢] في الطبري «من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة و ضربت هنا لك قبته».
[٣] في ف «سوادا» كذا.
[٤] زيد في الطبري «منهم» و زيد قبله «و إن وجدوا تحت أستار الكعبة».
[٥] زيد في الطبري «بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي و إنما أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بقتله أنه كان قد أسلم فارتد مشركا ففر إلى عثمان- إلخ».
[٦] زيد في الطبري «و إنما أمر بقتله أنه كان مسلما فبعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مصدقا و بعث معه رجلا من