وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٥٤ - الشروع في العمارة بعد الحريق
الظاهر كما تقدم، و لم يجعلوا في تلك الألواح دهانا و لا نقوشا و لا كتابة، غير أن النجار الذي صنع السقف المذكور كتب اسمه على طرفه نقرا، و كذلك سقف المسجد المحاذي للحجرة الشريفة مما يلي هذا السقف جميعه من الساج النقي ليس عليه دهان و لا نقوش و في وسطه طابق عليه قفل فوقه أنطاع و مشمع، و لم يزل موجودا إلى أن عملت القبة الثانية بعد الحريق الثاني، و جعلوا على جدار الحجرة الداخل من جهة الشام ألواحا من رأس الجدار إلى سقف المسجد.
و العجب أنهم عند رفع هذا السقف وجدوا جزمتين من الأخشاب التي تحته قد تأكلتا و لم يبق إلا جزمة واحدة، و مع ذلك كانت كافية في حمله، فجزى اللّه تعالى أهل ذلك الزمان خيرا، و الظاهر أن ذلك فعل عند إعادة سقف المسجد الذي ذكره المطري.
و لنرجع إلى ما ذكره عقب ما تقدم عنه، قال: و سقفوا في هذه السنة- و هي سنة خمس و خمسين- الحجرة الشريفة و ما حولها إلى الحائط القبلي و إلى الحائط الشرقي إلى باب جبريل (عليه السلام) المعروف قديما بباب عثمان، و من جهة المغرب الروضة الشريفة جميعها إلى المنبر الشريف.
ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة فكان في المحرم منها واقعة بغداد و استيلاء التتار عليها و قتلهم الخليفة المذكور مع أهلها.
قلت: و هي من أعظم الوقائع، و قد ذكرتها في كتابي «الوفا» و أشرت إليها في الفصل الثالث من الباب الثاني عند ذكر نار الحجاز، و ذكرت ما أفاده الذهبي من استيلاء الحريق على بغداد أيضا حتى تربة الخلفاء، و كانوا في العام قبله قد أشرفوا على الغرق، فسبحان الملك العظيم.
قال المطري عقب ما تقدم: فوصلت الآلات من مصر، و كان المتولي عليها حينئذ الملك المنصور نور الدين علي بن الملك المعز عز الدين أيبك الصالحي، و وصل أيضا آلات و أخشاب من صاحب اليمن يومئذ و هو الملك المظفر شمس الدين يوسف بن منصور عمر ابن علي بن رسول، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديما بباب مروان، ثم عزل صاحب مصر المذكور- يعني في آخر سنة سبع و خمسين في ذي القعدة منها- و تولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قطز المعزي، و اسمه الحقيقي محمود بن ممدود، و أمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه، و أبوه ابن عمه أسر عند غلبة التتار، فبيع بدمشق، ثم انتقل بالبيع إلى مصر، و تملك في سنة ثمان و خمسين.
قلت: إنما ولي في يوم السبت ثامن عشر ذي القعدة من سنة سبع، و في شهر رمضان من سنة ثمان كانت وقعت عين جالوت التي أعز اللّه فيها الإسلام و أهله على يديه، و لم