وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٥٥ - الشروع في العمارة بعد الحريق
يستكمل في ملكه السنة بكمالها، بل قتل بعد الوقعة بشهر و هو داخل إلى مصر، فكان العمل بالمسجد الشريف تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديما بباب عاتكة، و من باب جبريل إلى باب النساء المعروف قديما بباب ريطة ابنة أبي العباس السفاح، و تولى مصر آخر تلك السنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي، و يعرف بالبندقداري، فعمل في أيامه باقي سقف المسجد الشريف من باب الرحمة إلى شمالي المسجد، ثم إلى باب النساء، و كمل سقف المسجد كما كان قبل الحريق سقفا فوق سقف.
قلت: و ذكر المؤرخون أن الظاهر ركن الدين المذكور لما ولي حصل منه الاهتمام بذلك؛ فجهز الأخشاب و الحديد و الرصاص، و من الصناع ثلاثة و خمسين صانعا و ما يمونهم، و أنفق عليهم قبل سفرهم، و أرسل معهم الأمير جمال الدين محسن الصالحي و غيره، ثم صار يمدهم بما يحتاجون إليه من الآلات و النفقات، ثم لم يزل المسجد على ذلك حتى جددوا السقف الشرقي و السقف الغربي- أي الذي عن يمين صحن المسجد و شماله- في سنتي خمس و ست و سبعمائة في أوائل دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الصالحي، فجعلا سقفا واحدا نسبة السقف الشمالي أي سقف الدكاك فإنه جعل في عمارة الملك الظاهر كذلك.
ثم في سنة تسع و عشرين و سبعمائة أمر السلطان الملك الناصر محمد المذكور بزيادة رواقين في المسقف القبلي متصلين بمؤخره، فاتسع مسقفه بهما و عم نفعهما.
قلت: ثم حصل فيهما خلل فجددهما الملك الأشرف برسباي في ذي القعدة سنة إحدى و ثلاثين و ثمانمائة على يد مقبل القديدي من مال جوالي قبرص، على ما أخبرني به بعض مشايخ الحرم، و رأيته مكتوبا كذلك باللوح التي كانت بظاهر العقود من المسقف القبلي مما يلي رحبة المسجد، و هو سقف واحد في موازاة سقف المسجد الأسفل، و لذلك صار سقف مقدم المسجد القديم مرتفعا من أعلاه على هذين الرواقين و غيرهما من بقية المسجد، و له باب يدخل إليه من بين السقفين شارع في مبدأ الرواقين المذكورين مما يلي المشرق، و جدد الأشرف المذكور أيضا شيئا من السقف الشامي مما يلي المنارة السنجارية، ثم حصل خلل في سقف الروضة الشريفة و غيرها من سقف المسجد في دولة الظاهر جقمق فجدد ذلك في سنة ثلاث و خمسين و ثمانمائة و ما قبلها على يد الأمير بردبك الناصر المعمار و غيره.
ثم في دولة مولانا السلطان الملك الأشرف قايتباي أدام اللّه تعالى تأييده و نصره أنهى إليه احتياج سقوف المسجد الشريف للعمارة فبرز أمره الشريف بذلك كما ستأتي الإشارة إليه للجناب الخواجكي الشمسي شمس الدين بن الزمن أعزه اللّه بعز طاعته، فحضر لذلك في أثناء سنة تسع و سبعين صحبة أمير جدة و رتب أمر العمارة و سافر صحبته أيضا، فهدموا