وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٥١ - حكمة اللّه في الحريق
و في العبر للذهبي أن حرقه كان من مسرجة القوّام.
قال المؤرخون: ثم دبت النار في السقف بسرعة آخذة قبله، و أعجلت الناس عن إطفائها بعد أن نزل أمير المدينة فاجتمع معه غالب أهل المدينة فلم يقدروا على قطعها، و ما كان إلا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد الشريف و احترق جميعه حتى لم تبق خشبة واحدة.
قلت: لعل مرادهم لم تبق خشبة كاملة؛ لما قدمناه من مشاهدة بقايا خشب كثير عند إخراج الهدم الذي كان بالحجرة.
قال القطب القسطلاني: و تلف جميع ما احتوى عليه المسجد الشريف من المنبر النبوي و الأبواب و الخزائن و الشبابيك و المقصير و الصناديق و ما اشتملت عليه من كتب و كسوة الحجرة و كان عليها إحدى عشرة ستارة.
حكمة اللّه في الحريق
ثم ذكر القطب حكما لذلك و أسرارا، لكون تلك الزخارف لم ترضه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و ككون القلوب لما لاحظت المساجد الثاثة بعين التعظيم و لا يجوز في ذلك أن تنزل فوق قدرها، بل لا بد أن يعتقد أن صفة قهره تعالى و عظمته مستولية على الجميع؛ فهو الواحد القهار، فوقع الحريق في الكعبة و بيت المقدس قديما، ثم وقع بهذا المسجد في هذا الزمان عقب ظهور المعجزة العظيمة في ظهور نار الحجاز التي أخبر بها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و حماية جيرانه منها لما التجئوا إليه و انطفائها عند الوصول إلى حرمه كما سبق، و ربما خطر ببال العوام أن حبس النار عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة، فاقتضى الحال التبيين بذلك.
و نظم الأقشهري أبياتا مضمونها أن تسليط النار كان على تلك الزخارف المنهي عنها، و أن ما كان حقا فيبقى، و ما كان زورا فبالنار يحرق، قال: و أنشدني الحافظ الصالح الشيخ إبراهيم بن محمد الكناني رئيس المؤذنين هو و أبوه قال: وجد بعد الحريق في بعض جدران المسجد بيتان و هما:
لم يحترق حرم النبيّ لريبة * * * يخشى عليه و ما به من عار
لكنه أيدي الروافض لامست * * * تلك الرسوم فطهّرت بالنار
قلت: و أوردهما المجد بلفظ:
لم يحترق حرم النبي لحادث * * * يخشى عليه و لا دهاه العار
لكنما أيدي الروافض لامست * * * ذاك الجناب فطهرته النار
و أورد بعدهما بيتين آخرين هما:
قل للروافض بالمدينة ما بكم * * * لقيادكم للذم كل سفيه