وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٨٣ - الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان
آخر سنة من خلافته؛ ففي كتاب السير عن الحارث بن مسلم عن ابن وهب: أخبرني مالك أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان المسجد: لوددت أن هذا المسجد لا ينجز [١]؛ فإنه إذا فرغ من بنيانه قتل عثمان، قال مالك: فكان كذلك.
قال الحافظ ابن حجر: و يمكن الجمع بأن الأول كان تاريخ ابتدائه، و الثاني تاريخ انتهائه.
قلت: قد تقدم ما يردّ هذا الجمع، و أن الفراغ منه كان في سنة ثلاثين، لكن يمكن أن عثمان (رضي الله عنه) أحدث فيه عمارة أخرى آخر سنة من خلافته و قد وصل ابن شبة ما نقله مالك عن كعب؛ فروى بسنده من طريق الأعمش عن أبي صالح قال: قال كعب و مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يا بنى: و اللّه لوددت أنه لا يفرغ من برج إلا سقط برج، فقيل له: يا أبا إسحاق أ ما كنت تحدثنا أن صلاة فيه أفضل من ألف صلاة في غيره إلا المسجد الحرام، قال: بلى، و أنا أقول ذلك الآن، و لكن فتنة نزلت من السماء ليس بينها و بين أن تقع إلا شبر، و لو فرغ من بناء هذا المسجد وقعت، و ذلك عند قتل هذا الشيخ عثمان بن عفان، فقال رجل: و هل قاتله إلا كقاتل عمر، قال: بل مائة ألف أو يزيدون، ثم يحل القتل ما بين عدن أبين إلى دروب الروم [٢].
و روى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان أن يكلم الناس على المنبر و يشاورهم قال له مروان بن الحكم: فداك أبي و أمي، هذا أمر خير لو فعلته و لم تذكر لهم، فقال: و يحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور، قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه و زاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إن عمر اشتد عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، و إني لنت لهم حتى أصبحت أخشاهم، قال مروان بن الحكم: فداك أبي و أمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك.
و عن عبد الرحمن بن سفينة قال: رأيت القصّة تحمل إلى عثمان و هو يا بني مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من بطن نخل، رأيته يقوم على رجليه و العمال يعملون فيه حتى تأتي الصلاة فيصلي بهم، و ربما نام ثم رجع، و ربما نام في المسجد.
و عن خارجة بن زيد قال: هدم عثمان بن عفان المسجد و زاد في قبلته، و لم يزد في شرقيه، و زاد في غربيه قدر أسطوان، و بناه بالحجارة المنقوشة و القصة و عسب النخل
[١] أنجز الشيء: أتمه و قضاه.
[٢] الدروب مفردها الدرب: المضيق بين الجبال. و- كل مدخل إلى بلاد الروم.