وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٣ - الفصل التاسع في الحجرة الشريفة، و بيان إحاطتها بالمسجد الشريف إلا من جهة المغرب
المسجد شيء منها، و كان باب عائشة مواجه الشام، و كان بمصراع واحد من عرعر أو ساج.
و أسند يحيى من طريق الواقدي عن عبد الله بن يزيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حين هدمها عمر بن عبد العزيز كانت من لبن [١]، و لها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددت تسعة أبيات بحجرها، و هي ما بين بيت عائشة إلى الباب الذي يلي باب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى منزل أسماء بنت حسن اليوم.
قلت: و قوله «إلى الباب الذي يلي باب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)» قد تقدم ما يؤخذ منه أن المراد به باب الرحمة، و قوله «إلى منزل أسماء إلى آخره» يقتضي أن البيوت المذكورة كان بعضها خارجا عن سمت [٢] المسجد؛ لأن بيت أسماء المذكور كان في مقابلة الباب الذي كان يلي باب النساء من شاميه، و يبعد أن يكون المسجد النبوي ممتدا إلى تلك الجهة في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لكن سيأتي في بيت فاطمة (رضي الله عنها) ما يصرح بأن بيتها كان ينتهي إلى الباب المذكور؛ فيحتمل أن المسجد كان ممتدا إليه، و يحتمل أن بعض البيت المذكور لم يكن في محاذاة المسجد، على أن البخاري روى في صحيحه حديث «كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في المسجد و عنده أزواجه فرجعن، فقال لصفية بنت حيي: لا تعجلي حتى أنصرف معك، و كان بيتها في دار أسامة، فخرج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) معها- الحديث».
و في رواية له عن صفية قالت: كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت، فانقلبت، فقام معي ليقلبني، و كان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمر رجلان من الأنصار- الحديث.
و في رواية له أنها جاءت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) تزوره و هو معتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، ثم قامت تنقلب، فقام معها رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى إذا بلغ قريبا من باب المسجد عند باب أم سلمة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مر بهما رجلان من الأنصار- الحديث، و هو يقتضي أن صفية لم يكن مسكنها في الحجر المحيطة بالمسجد.
و لم يتعرض ابن شبة لاتخاذ أسامة لدار، و ذكر أن أباه اتخذ دارين إحداهما دخلت في المسجد لما زيد فيه، و لعلها المرادة و الله أعلم.
و لنرجع إلى بقية ما أسنده يحيى عن عبد الله بن زيد، قال: و رأيت بيت أم سلمة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و حجرتها من اللبن، فسألت ابن ابنها، فقال: لما غزا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) دومة الجندل بنت حجرتها بلبن، فلما قدم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) نظر إلى اللبن و دخل عليها أول نسائه، فقال: ما هذا البناء؟ فقالت: أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس، فقال: يا أم سلمة إن من شر ما
[١] اللّبن: ضرب من الطين يا بنى به دون أن يطبخ.
[٢] السمت: الطريق الواضح، و المقصود هنا طريق المسجد.