وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٦ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
الجدارين المذكورين تدخل اليد فيه، و هو قديم أيضا، و قد سدّه المتقدمون، ثم اتّسع قليلا على دوام الأيام.
فلما كان عشية السبت ثالث عشر شعبان عقدوا مجلسا في جوف المقصورة عند الجدار المذكور، حضره القضاة و المشايخ و الخدام و شيخهم الأمير إينال، و طلبوني لذلك المجلس، فترددت في الحضور لما قدمته، ثم توضأت و صليت صلاة الاستخارة و سألت اللّه أن يلهمني السداد و الصواب، و حضرت فوجدت الأمر قد اتفق عليه، و شاهدت ما قدمته من وصف ذلك، و رأيت على ذلك البناء الداخل من الهيبة و الأنس ما لا يوصف و لا يدرك إلا بالذوق، و تحرر لي أن سبب انشقاق الجدار الظاهر انشقاق الجدار الداخل و ميلانه نحو الجدار الظاهر و كأن الأقدمين لما رأوا انشقاق الجدار الداخل- و لعل رؤيتهم لذلك و اللّه أعلم عقب الحريق عند ما أحدثوا السقف المتقدم وصفه على الحجرة الشريفة- أدعموا الجدار الداخل بأخشاب جعلوها بين الجدار الداخل و الخارج عند رأسهما في شرقي الحجرة، فمال الجدار الظاهر من أعلاه بحيث صار أعلاه لا يوازي أسفله، و خرج بسبب ذلك عن الاستقامة، فحدث فيه الشق المذكور، و رأيت الحاضرين بين ساكت و مشير، فترجح عندي سلوك رأي ابن عباس (رضي الله عنهما) في أمر الكعبة، حيث أشار بترميمها فقط، و رأيت أن ما يطلب هنا من الأدب أوجب مما يطلب هناك، فحاولت إدعام البناء الظاهر ببناء، فلم أوافق عليه، فسألت مهندس العمارة- و كان أعرف الحاضرين بهذا الأمر- هل تحققت الآن إشراف هذا الجدار على السقوط و أنه لا يتأتى تأخيره، أم يحتمل التأخير مدة إذا رمّ بالجص و الآجر كما كان أوّلا فيؤخر إلى أن يصير غير محتمل للتأخير؛ فإنه لا يفعل هنا إلا ما تدعو إليه الضرورة في الحال؟ فقال: الترميم شيء و قطع الفرط شيء آخر، ثم سأل متولي العمارة عن كيفية ما يكتب ليطالع به المسامع الشريفة، فقال له القاضي الزكوي قاضي الشافعية و أحد الناظرين سامحه اللّه تعالى: سرّح العمال غدا للهدم و كتابة المحضر علينا، و خافت متولي العمارة بالإنكار عليه في إحضاري، و حثّه على الإعراض عن كلامي.
ثم إن متولي العمارة ذكر لي أنه رأى رؤيا فهم منها الهدم، فصمّم عليه، و رأيت عنده من شجاعة الجنان و ثبات الجأش في هذا الأمر ما لا يوصف، و بلغني أن بعض الناس ذكر له أن ما سبق من كلامي دليل على ما كان قد ألقاه إليه من حرصي على ألّا تكون هذه العمارة على يده، و أن لا يفوز بهذه المنقبة العظيمة التي لم يسبق إليها، و من يسمع يخل، و لكني أشهد اللّه و رسوله على أني لم أرد سوى محض الوفاء بما أوجبه اللّه علينا من الأدب مع حبيبه (صلّى اللّه عليه و سلم) و من بدل النصيحة.
ثم في صبيحة الرابع عشر من شعبان المذكور شرعوا في هدم المحل الشريف المتقدم