وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٧٠ - بين عمر و العباس
سيفه، فرآه على الصخرة، و إذا ما هناك يومئذ أندر لغلام من بني إسرائيل، فأتاه داود (عليه السلام). فقال: إني قد أمرت أن أبني هذا المكان بيتا لله تعالى، فقال له الفتى: الله أمرك أن تأخذ مني بغير رضاي؟ قال: لا، فأوحى اللّه إلى داود إني قد جعلت في يدك خزائن الأرض فأرضه، فأتاه داود (عليه السلام) فقال: إني قد أمرت برضاك، فلك بها قنطار من ذهب، فقال: قد قبلت، فيا داود هي خير أم القنطار؟ فقال: بل هي، قال: فأرضني، قال: فلك بها ثلاث قناطير، فلم يزل يشدد على داود حتى رضي منه بتسع قناطير، قال العباس (رضي الله عنه): اللهم لا آخذ لها ثوابا، و قد تصدقت بها على جماعة المسلمين، فقبلها عمر، فأدخلها في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
قلت: و هذا يفهم أن داود صلوات اللّه و سلامه عليه بنى بين المقدس، و أنه أول من بناه، و الرواية المتقدمة تقتضي أن سليمان صلوات اللّه و سلامه عليه هو الذي بناه، و يؤيده ما روى الطبراني من حديث رافع بن عميرة مرفوعا قال: قال اللّه عز و جل لداود: ابن لي بيتا في الأرض، و إن داود- (عليه السلام)- بنى المسجد، فلما تم السور سقط ثلثاه، فشكا ذلك إلى اللّه تعالى، فأوحى اللّه إليه إنه لا يصلح أن يا بني لي بيتا، و ذكر قصة غير ما تقدم، فشق ذلك على داود، فأوحى اللّه تعالى إليه: إني سأقضي بناءه على يد ابنك سليمان.
و روى النسائي من حديث عمرو بن العاص مرفوعا بإسناد صحيح أن سليمان لما بنى بيت المقدس سأل اللّه تعالى خلالا ثلاثا- الحديث.
و سواء كان الباني له داود أو سليمان (عليهما السلام) يشكل عليه ما في الصحيحين عن أبي ذر: سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن أول مسجد وضع على الأرض، فقال: المسجد الحرام، قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: و كم بينهما؟ قال: أربعون عاما، و وجه الإشكال كما ذكره ابن الجوزي أن إبراهيم (عليه السلام) بنى الكعبة و بينه و بين سليمان أكثر من ألف سنة، و قد مشى ابن حبان على ظاهر الحديث المذكور، فقال: فيه رد على من زعم أن بين داود و إبراهيم ألف سنة، و لو كان كما قال لكان بينهما أربعون سنة، و هذا عين المحال؛ للاتفاق على طول الزمان بين إبراهيم و موسى (عليهما السلام)، ثم إن نص القرآن أن قصة داود في قتل طالوت كانت بعد موسى بمدة.
و أجاب ابن الجوزي بأن الإشارة في حديث الصحيحين إلى أول البناء، و وضع أساس المسجد، و ليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، و لا سليمان أول من بنى بيت المقدس؛ فقد روى أن أول من بنى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس بعد ذلك بأربعين سنة، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنص القرآن.