وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٩٦ - الفصل السادس عشر في زيادة الوليد بن عبد الملك على يد عمر بن عبد العزيز
فهدمناه بعمال المدينة فبدأنا بهدم بيوت أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، حتى قدم علينا الفعلة الذين بعث بهم الوليد، و قال ابن زبالة فيما رواه عن محمد بن عمار عن جده: و كان في موضع الجنائز- أي شرقي المسجد في زمان الوليد بن عبد الملك- نخلتان إذا أتى بالموتى وضعوا عندهما فيصلي عليهم، فأراد عمر بن عبد العزيز قطعهما حين ولي عمل المسجد للوليد بن عبد الملك، و ذلك في سنة ثمان و ثمانين، فاقتتلت فيهما بنو النجار من الأنصار، فابتاعهما عمر بن عبد العزيز فقطعهما.
قلت: و لا ينافي ذلك ما تقدم من أن عمر هدم المسجد في سنة إحدى و تسعين، لجواز أن يكون ولايته لذلك سنة ثمان و ثمانين، و استمر في تحصيل الأهبة و شراء الأماكن و تخمير النورة [١] إلى سنة إحدى و تسعين.
و فيما رواه يحيى عن حفص بن مروان عن أبيه أن عمر مكث في بنائه ثلاث سنين.
قلت: فعلى هذا يكون قد فرغ منه في آخر سنة ثلاث و تسعين، و هي السنة التي عزل فيها عمر عن المدينة، و فيه رد لقول من زعم أن هدمه كان في سنة ثلاث و تسعين، لكن في رواية لابن زبالة ما يقتضي أن البداءة في هدم المسجد و عمارته كانت في سنة ثمان و ثمانين؛ فإنه قال فيها: و ابتدأ عمر بن عبد العزيز بناء المسجد سنة ثمان و ثمانين، و فرغ سنة إحدى و تسعين، و فيها حج الوليد.
قال: و لما فرغ عمر بن عبد العزيز من بنيان المسجد أرسل إلى أبان بن عثمان، فحمل في كساء خز حتى انتهى به إليه، فقال: أين هذا البناء من بنيانكم؟ فقال: بنيناه بناء المساجد و بنيتموه بناء الكنائس، قال: و قال الوليد حين رأى خوخة آل عمر: صانعتهم لمكان الخوخة، هكذا في النسخة التي وقعت لنا، و لعلها لمكان الخؤلة؛ لأن المطري قال: إن الوليد قال له: صانعت أخوالك، و قد كانت أم عمر بن عبد العزيز منهم.
و روى يحيى عن جعفر بن وردان عن أبيه ما يقتضي أن المخاطب لأبان بن عثمان هو الوليد؛ فإنه قال: فلما قدم الوليد حاجا جعل يطوف في المسجد و ينظر إليه و يصيح بعمر:
هاهنا، و معه أبان بن عثمان، فلم استنفد الوليد النظر إلى المسجد التفت إلى أبان و قال: أين بناؤنا من بنائكم؟ قال أبان: إنا بنيناه بناء المساجد و بنيتموه بناء الكنائس.
قلت: و كان قد اعتنى عمر بتحسينه؛ فقد روى يحيى عن النضر بن أنس قال: كان عمر ابن عبد العزيز إذا عمل العامل الشجرة الكبيرة من الفسيفساء فأحسن عملها نفّله [٢]
[١] النورة: حجر الكلس.
[٢] نفّله: أعطاه زيادة على نصيبه الواجب له.