وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٧٥ - الفصل التاسع و العشرون في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة و ما ترتب عليه
الفصل التاسع و العشرون في الحريق الحادث في زماننا بعد العمارة السابقة و ما ترتب عليه
ألحقته هنا مع إلحاق ما تقدمت الإشارة إليه في الفصول السابقة، لحدوثه بعد الفراغ من مسودة كتابنا هذا لأني توجّهت إلى مكة المشرفة للاعتمار أول شهر رمضان عام ست و ثمانين و ثمانمائة، فورد علي بها عدة كتب من الصادقين في الخبر، و شافهني من شاهد الأمر و الأثر، بما حصل من الخطب العظيم، و الرزء الجسيم، باحتراق المسجد النبوي أول الثلث الأخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان، و ذلك أن رئيس المؤذنين و صدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلّل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسية، و صعد المؤذنون بقية المنائر، و قد تراكم الغيم فحصل رعد قاصف أيقظ النائمين، فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة، فسقطت في المسجد و له لهب كالنار، و انشق رأس المنارة، و توفي الريس المذكور لحينه صعقا ففقد من كان على بقية المنائر صوته، فنادوه فلم يجب، فصعد إليه بعضهم فوجده ميتا، و أصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الأعلى بين المنارة الرئيسية و قبة الحجرة النبوية فثقبه ثقبا كالترس، و علقت النار فيه و في السقف الأسفل، ففتح الخدام أبواب المسجد قبل الوقت المعتاد و قبل إسراجه، و نودي بالحريق في المسجد، فاجتمع أمير المدينة و أهلها بالمسجد الشريف، و صعد أهل النجدة منهم بالمياه لإطفاء النار، و قد التهبت سريعا في السقفين، و أخذت لجهة الشمال و المغرب، فعجزوا عن إطفائها، و كلما حاولوه لم تزدد إلا التهابا و اشتعالا، فحاولوا قطعها بهدم بعض ما أمامها من السقف، فسبقتهم لسرعتها، و تطبق المسجد بدخان عظيم، فخرج غالب من كان به، و لم يستطيعوا المكث؛ فكان ذلك سبب سلامتهم، و هرب من كان بسطح المسجد إلى شماليه، و نزلوا بما كان معهم من حبال الدلاء التي استقوا بها الماء بخارج المسجد على الميضأة و البيوت التي هناك و ما حول ذلك، و سقط بعضهم فهلك، و نزل طائفة منهم إلى المسجد من الدرج فاحترق بعضهم و لجأ بقيتهم إلى صحن المسجد مع من حالت النار بينه و بين أبواب المسجد ممكن كان أسفل، و منهم صاحبنا الشيخ العالم صدر المدرسين الشمسي شمس الدين محمد بن المسكين المعروف بالعوفي، فمات بعد أيام لضيق نفسه بسبب الدخان مع توعك سابق، (رحمه الله) تعالى! و احترق من الخدام الزيني شند نائب خازن دار الحرم، تغمده اللّه برحمته! و مات جماعة تحت هدم الحريق من الفقراء و سودان المدينة، و جملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا، و كانت سلامة من بقي بالمسجد على خلاف القياس؛ لأن النار عظمت جدّا حتى صارت كبحر لجي من نار، و لها زفير و شهيق و ألسن تصعد في الجو، و صار لفحها يؤثر من البعد حتى أثرت في النخلات التي بصحن المسجد،