وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٣ - معنى أن الروضة من رياض الجنة
الحكمة، و إنما اختلفوا في ذلك المعنى ما هو، فقيل: اللفظ على حقيقته، و إن ذلك روضة من رياض الجنة بمعنى أنه بعينه نقل من الجنة، أو أنه سينقل إليها، و قيل: مجاز معناه أن العبادة فيه تؤدّي إلى الجنة، أو لما ينزل فيه من الرحمة و حصول المغفرة، كما سمي مجالس الذكر رياض الجنة في حديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» [١] و في رواية لأبي هريرة:
«قلت: ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: و ما الرتع؟ قال: سبحان الله، و الحمد لله، و لا إله إلا الله و الله أكبر».
و قال ابن عبد البر: لما كان (صلّى اللّه عليه و سلم) يجلس في ذلك الموضع و يجلس الناس إليه للتعلم شبّهه بالروضة؛ لكريم ما يجتنى فيه، و أضافها إلى الجنة لأنها تؤول إلى الجنة، كقوله: «الجنة تحت ظلال السيوف» أي أنه عمل يدخل الجنة.
و قال الخطابي: روضة من رياض الجنة بالطاعة فيه، كقوله: «عائد المريض في مخرفة الجنة» [٢] أي يرجى له بذلك مخرفة الجنة؛ فأطلق اسم المسبب على سببه كقوله: «الجنة تحت أقدام الأمهات».
هذا ما نقله الخطيب ابن حملة من المعاني، ثم تعقب الأخير بأنه لا يبقى حينئذ لهذه الروضة مزية، و قد فهم الناس من ذلك المزية العظيمة التي بسببها فضلها مالك على سائر البقاع.
و قد تعقب الجمال الريمي الخطيب في ذلك، و قال: أظهر المعاني تضعيف أجر الطاعات، و تعليم الناس وجوه الخير؛ لاتفاق الخطابي و ابن عبد البر عليه، و هما عمدة الأمة في فقه الحديث، و لأن النظائر تؤيده، و أما المعنيان الآخران فلم يعزهما الخطيب إلى أحد، فدل على ضعفهما، و لم يذكر عياض القول بأن هذا الموضع بعينه نقل من الجنة، و ذكر ما عداه، فدل على شذوذه؛ لأن مثل هذا طريقه التوقيف كما جاء في الركن و المقام، على أن القول به يؤدي إلى إنكار المحسوسات أو الضروريات، و جواب ما ذكره الخطيب أن المزية ظاهرة، و هو أن العمل في النظائر المتقدمة يؤدي إلى رياض الجنة، و العمل في هذا المحل يؤدي إلى روضة أعلى من تلك الرياض.
قلت: إنما حمله على هذا ذهابه إلى أن اسم الروضة يعم جميع مسجده (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أنه إذا
[١] ارتعوا أي انعموا في خصب و سعة.
[٢] المخرفة: البستان، و السّكة بين صفين من نخيل، و الطريق الواضح، جمع مخاريف.