وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٣٢ - وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة
و فرق بالمدينة الشريفة مالا جزيلا ستة آلاف دينار أو أكثر، و دفع إليّ على يد إمامه المشار إليه من ذلك جزءا وافرا، و تكلمات معه في رفع مكوس المدينة و تعويض أميرها عن ذلك شيئا، فأفهم الوعد به، و سألني عن أمر دار العباس التي اشتريت له، و كانت سببا في قتل القضائي الزكوي تغمده اللّه تعالى برحمته لعدم السياسة في أخذها، فأخبرته بحقيقة الحال، فقال: لم لم تكتب إليّ بهذا؟ فاعتذرت له بعذر قبله، و تبرأ من جميع ما فعلوا فيها، و وعد بما يكون فيه صلاح أمرها، ثم وفى بذلك بعد عوده، فزادهم مبلغا كثيرا رضوا به، و تفضل بالتشريف بطلب الكتابة إليه بما يكون فيه صلاح أحوال المدينة و التنبيه على من يردها من المحتاجين.
ثم توجه في الرابع و العشرين من الشهر المذكور مصحوبا بالسلامة إلى مكة المشرفة ماشيا على أقدامه بين فقراء المدينة و فقهائها حتى خرج من باب المدينة، فوقف هناك، و قرأنا له الفاتحة، ثم ركب جواده، أدام اللّه تأييده و حرسه من الردى، و أنار له طرق الحق و الهدى.
ثم قدمت مكة صحبة الحاج الشامي فوجدته قد سلك بها مسلك التواضع أيضا، و تصدق فيها بمال جزيل أكثر مما تصدق بالمدينة الشريفة.
و لما اجتمعت بإمامه المشار إليه بمكة المشرفة تذاكرنا الصدقة الشريفة بالمدينة الشريفة و عمومها، و ما حصل بها من النفع، فذكرت له أن أربعة من فقراء المغاربة لم يأخذوا شيئا لملازمتهم لرباطهم، و عدم إتيانهم لمن كان يفرق، و أن شخصا آخر مستحقا كنت أود لو حصل له أكثر مما دفع له، فبلغ ذلك السلطان، فلما كان في أوسط أيام منى توجهت لوداع الإمام المشار إليه، فأشار بموادعة السلطان، فقلت له: أخشى أن يتوهم أن المجيء لقصد آخر، فقال: لا بد من موادعته، فتوجهنا إليه فحصل منه من الإكرام ما أطلب له الجزاء عليه من أكرم الأكرمين، ثم قال: أنتم ذكرتم للإمام كيت و كيت، فلم ينس ما تقدم ذكره من أمر جماعة الفقراء، فقلت له: نعم، فأمر لهم بمائة دينار أقسمها عليهم لكل واحد عشرون دينارا، ثم قال: هل بقي أحد؟ فقلت له: ما أستحضر أحدا، و رأيت له اهتماما تاما بتعميم جيران الحضرة الشريفة، و وادعني قائما و سأل عن أمر الطابق المذكور لما قدمنا مكة، و أمر بأن لا يفتح، و أن يسد بعد ذلك، فلما بلغ شيخ الخدام بالمدينة الشريفة منع من فتحه عند قدوم الحاج المصري في هذا العام، و لكن بقي سده، فإن الطريق في قطع الشر قلع أصوله، و قد وعد بسده.
وقف السلطان قايتباي لأهل المدينة المنورة
ثم إن السلطان أيده اللّه تعالى رجع إلى مصر مصحوبا بتأييد اللّه و نصره، فبلغنا أنه