وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٧٩ - الفصل الثالث عشر في البطيحاء التي بناها عمر
مكانا إلى جانب المسجد يقال له «البطيحاء» و قال: من أراد أن يلغط أو يرفع صوتا أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إليه، و لفظ يحيى: أن عمر بن الخطاب بنى في ناحية المسجد رحبة تدعى البطيحاء، ثم قال: من أراد أن يلغظ أو ينشد شعرا أو يرفع صوتا فليخرج إلى هذه الرحبة، زاد ابن شبة عقيب روايته من طريق محمد بن يحيى: قال محمد: و قد دخلت تلك البطيحاء في المسجد فيما زيد فيه بعد عمر (رضي الله عنه).
و ذكر ابن شبة في موضع آخر ما يبين أن البطيحاء كانت في جهة شرقي المسجد مما يلي مؤخره زمن عمر (رضي الله عنه)، فإنه قال: اتخذ خالد بن الوليد داره التي كانت بالبطيحاء، إلى آخر ما سيأتي عنه، مع بيان أنها الرباط المعروف اليوم برباط السبيل في شرقي المسجد.
و روى ابن شبة أيضا بسند جيد عن ابن عمر أن عمر (رضي الله عنه) كان إذا خرج من الصلاة نادى في المسجد: إياكم و اللغط، و يقول: ارتفعوا في أعلى المسجد.
و رواه يحيى بلفظ: كان إذا خرج إلى الصلاة.
و روى ابن شبة بسند جيد إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن عمر (رضي الله عنه) سمع ناسا من التجار يذكرون تجارتهم و الدنيا في المسجد، فقال: إنما بنيت هذه المساجد لذكر الله، فإذا ذكرتم تجاراتكم و دنياكم فاخرجوا إلى البقيع.
و روى أيضا عن شيخه سليمان بن داود قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) سمع صوت رجل في المسجد، فقال: أ تدري أين أنت؟
كأنه كره الصوت.
و عن عبد الرحمن بن حاطب قال: كان بين عثمان و طلحة تلاح في مسجد رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فبلغ عمر (رضي الله عنه)، فأتاهم و قد ذهب عثمان و بقي طلحة، فقال: أ في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تقولان الهجر و ما لا يصلح من القول؟ قال: فجثا طلحة على ركبتيه و قال:
إني و اللّه لأنا المظلوم المشتوم، فقال: أ في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تقولان الهجر و ما لا يصلح من القول؟ ما أنت مني بناج، فقال: الله اللّه يا أمير المؤمنين، فو اللّه إني أنا المظلوم المشتوم، فقالت أم سلمة من حجرتها: و اللّه إن طلحة لهو المظلوم المشتوم، قال: فكف عمر (رضي الله عنه).
و عن السائب بن يزيد قال: كنت مضطجعا في المسجد، فحصبني رجل [١]، فرفعت رأسي، فإذا عمر (رضي الله عنه) فقال: اذهب فأتني بهذين الرجلين، فجئت بهما، فقال:
من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد ما فارقتماني حتى أوجعكما جلدا، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟!
[١] حصبني: رماني بحجارة صغيرة.