وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٨٠ - الفصل الثالث عشر في البطيحاء التي بناها عمر
و عن طارق بن شهاب أن عمر (رضي الله عنه) أتى برجل في المسجد و قد أخذ في شيء، فقال: أخرجاه من المسجد فاضرباه، أو اضربوه.
و روى يحيى عن نافع أن عمر بينما هو في المسجد عشاء إذ سمع ضحك رجل، فأرسل إليه فقال: من أنت؟ فقال: أنا رجل من ثقيف، فقال: أ من أهل البلد أنت؟ فقال:
بل من أهل الطائف، فتوعده فقال: لو كنت من أهل البلد لنكّلت بك، إن مسجدنا هذا لا ترفع فيه الأصوات.
و عن ابن سيرين أن ابن مسعود سمع رجلا يرفع صوته في المسجد، فسبه، فقيل له:
ما كنت فحّاشا، فقال: أمرنا بهذا.
و روى ابن زبالة و يحيى عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب مر بحسان بن ثابت و هو ينشد في المسجد، فلحظ إليه، فقال حسان: قد كنت أنشد و فيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله هل سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم، و قد رواه البخاري في الصحيح بنحوه، و في رواية ليحيى عقب قوله: «قد كنت أنشد فيه من هو خير منك» فانصرف عمر و قد عرف أنه يريد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و في رواية ذكرها الحافظ ابن حجر فقال: كنت أنشد فيه و فيه من هو خير منك، و في الترمذي من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينصب لحسان منبرا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار.
و أما ما رواه ابن خزيمة في صحيحه و الترمذي و حسنه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن تناشد الأشعار في المساجد، قال الحافظ ابن حجر: صحيح إلى عمرو، فمن يصحح نسخته يصححه، و في هذا المعنى عدة أحاديث، لكن في أسانيدها مقال، و الجمع بينها و بين ما تقدم أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية و المبطلين، و هو مراد عمر بقوله: من أراد أن ينشد شعرا فليخرج إلى هذه، يعني البطيحاء، و المأذون فيه ما سلّم من ذلك، و قيل: المنهي عنه ما إذا كان غالبا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه، و أبعد بعضهم فأعمل أحاديث النهي، و ادعى نسخ الإذن، و لم يوافق على ذلك. و روى ابن زبالة عن علي بن زيد بن جدعان قال: أنشد كعب بن زهير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في المسجد أبياتا:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول [١]
و اللّه أعلم.
[١] و عجزه:
متيم إثرها لم يفد مكبول