وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٥ - معنى أن الروضة من رياض الجنة
روضة من رياض الجنة، فتراه جعل المسجد كله روضة، و المشهور أن المراد بيت خاص، و هو بيت عائشة (رضي الله عنها)؛ للرواية الأخرى «ما بين قبري و منبري» قال ابن خزيمة:
أراد بقوله ما بين بيتي الذي أقبر فيه؛ إذ النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قبر في بيته الذي كانت تسكنه عائشة، قال الخطيب: فعلى هذا تسامت- يعني الروضة- حائط الحجرة من القبلة و الشمال من جهة الحجرة، و لا تزال تقصر إلى جهة المنبر، أو توجد المسامتة مستوية فلينظر، هذا كله كلام الخطيب.
قلت: فتلخص من ذلك ثلاثة آراء: الأول: أنها المسجد الموجود في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم)، الثاني:
أنها ما سامت المنبر و الحجرة فقط، فتتسع من جهة الحجرة و تضيق من جهة المنبر لما تقدم في مقداره، و تكون منحرفة الأضلاع لتقدم المنبر في جهة القبلة و تأخر الحجرة في جهة الشام، فتكون كشكل مثلث ينطبق ضلعاه على قدر المنبر، الثالث: أنها ما سامت كلا من طرفي الحدين، فتشمل ما سامت المنبر من مقدم المسجد في جهة القبلة و إن لم يسامت الحجرة، و يشمل ما سامت الحجرة من جهة الشمال، و إن لم يسامت المنبر، فتكون مربعة، و هي الأروقة الثلاثة: رواق المصلى الشريف، و الرواقان بعده، و ذلك هو مسقف مقدم المسجد في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم)، لأنه قد تحرر لنا في هذه العمارة التي أدركناها أن صف أسطوان الوفود- و هي التي كانت إلى رحبة المسجد كما سيأتي- واقع خلف الحجرة سواء، حتى إن الأسطوانة التي تلي مربعة القبر في صفها الداخلة في الزور بعضها داخل في جدار الحجرة الشامي كما سيأتي بيانه.
و أما أدلة هذه الأقوال فقد استدل الريمي للأول بأشياء غالبها ضعيف مبناه على أن إطلاق الروضة من قبيل المجاز لما في ذلك من المضاعفة و نحوه، و أحسنها ما أشار إليه الخطيب ابن حملة و أيده الريمي بأشياء، فقال: قوله «بيتي» من قوله «ما بين بيتي» مفرد مضاف، فيفيد العموم في سائر بيوته (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد كانت بيوته مطيفة بالمسجد من القبلة و المشرق- و فيه بيت عائشة- و الشام كما سيأتي عن ابن النجار و غيره، و لم يكن منها في جهة المغرب شيء، فعرف الحد من تلك الجهة بالمنبر الشريف، فإنه كان في آخر جهة المغرب بينه و بين الجدار يسير؛ لأن آخره من تلك الجهة الأسطوانة التي تلي المنبر، و المنبر على ترعة من ترع الجنة، فقد حدد الروضة بحدود المسجد كلها.
قلت: و هو مفرع على ما ذكره ابن النجار في تحديد المسجد من جهة المغرب، و قد مشيت عليه في تواليفي قبل أن أقف على ما قدمته في حد المسجد، و قد مشى على ذلك الزين المراغي فقال: ينبغي اعتقاد كون الروضة لا تختص بما هو معروف الآن، بل تتسع إلى حد بيوته (صلّى اللّه عليه و سلم) من ناحية الشام، و هو آخر المسجد في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فيكون كله روضة، و هذا