وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٨٥ - خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، و ذكر السبب في ذلك، و ما ناسبه
سلوك هذه المسالك، سلطان زماننا الملك المالك لصفوة الممالك الأشرف أبو النصر قايتباي، أعزّ اللّه أنصاره، و ضاعف اقتداره؛ فلذلك أجرى اللّه على يديه هذه العمارة، و آثره بهذه الأثارة، و من تأمل ما قدمناه في الفصل السادس و العشرين في الحريق الأول عن المؤرخين من عمل سقف المسجد على يد من سبق و طول مدته و صفته، و أحاط علما بما أسلفناه عن سلطان زماننا في عمارته، حكم يقينا بعلو همته، و فخار منقبته و مرتبته، و اختصاصه بما لم يفز به من سبقه؛ فكان هو سابقا، و إن عد في الزمان لاحقا، و قد ذكرنا ما له بالحجاز الشريف من الآثار الجميلة، و بعض مناقبه الجليلة، في الفصل الثالث و الثلاثين في خوخة آل عمر (رضي الله عنه) لما خصه اللّه به من حسم مادة المفاسد المترتبة عليها في زماننا، و أمره بسدّ طابقها، شكر اللّه صنيعه، و حصّنه من العداة بحصونه المنيعة.
خاتمة فيما نقل من عمل نور الدين الشهيد لخندق حول الحجرة الشريفة مملوء بالرصاص، و ذكر السبب في ذلك، و ما ناسبه
اعلم أني قد وقفت على رسالة قد صنّفها العلامة جمال الدين الأسنوي في المنع من استعمال الولاة للنصارى، و سماها بعضهم «بالانتصارات الإسلامية» و رأيت عليها بخط تلميذه شيخ مشايخنا زين الدين المراغي ما صورته «نصيحة أولي الألباب، في منع استخدام النصارى كتاب» لشيخنا العلامة جمال الدين الأسنوي، و لم يسمه، فسميته بحضرته، فأقرني عليه، انتهى. فرأيته ذكر فيها ما لفظه: و قد دعتهم أنفسهم- يعني النصارى- في سلطنة الملك العادل نور الدين الشهيد إلى أمر عظيم ظنوا أنه يتم لهم، و يأبى اللّه إلا أن يتم نوره و لو كره الكافرون، و ذلك أن السلطان المذكور كان له تهجّد يأتي به بالليل، و أوراد يأتي بها، فنام عقب تهجده، فرأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في نومه و هو يشير إلى رجلين أشقرين و يقول: أنجدني أنقذني من هذين، فاستيقظ فزعا، ثم توضأ و صلى و نام فرأى المنام بعينه، فاستيقظ و صلى و نام فرآه أيضا مرة ثالثة، فاستيقظ و قال: لم يبق نوم، و كان له وزير من الصالحين يقال له جمال الدين الموصلي، فأرسل خلفه ليلا، و حكى له جميع ما اتفق له، فقال له: و ما قعودك؟
اخرج الآن إلى المدينة النبوية، و اكتم ما رأيت، فتجهز في بقية ليلته، و خرج على رواحل خفيفة في عشرين نفرا، و صحبته الوزير المذكور، و مال كثير، فقدم المدينة في ستة عشر يوما، فاغتسل خارجها و دخل فصلى بالروضة، و زار، ثم جلس لا يدري ما ذا يصنع، فقال الوزير و قد اجتمع أهل المدينة في المسجد: إن السلطان قصد زيارة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أحضر معه أموالا للصدقة، فاكتبوا من عندكم، فكتبوا أهل المدينة كلهم، و أمر السلطان بحضورهم، و كل من حضر ليأخذ يتأمله ليجد فيه الصفة التي أراها النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) له فلا يجد تلك الصفة،