وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٤٣ - القناديل
سنة ستين و ثمانمائة برغوث بن بتير بن جريس الحسيني؛ فدخل الدار المعروفة بدار الشباك بجانب باب الرحمة ليلا، و لم يكن بها ساكن، و تسوّر جدار المسجد، و دخل بين سقفي المسجد الشريف من شباك هناك، و مشى حتى بلغ ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة، فأخذ من تلك القناديل شيئا كثيرا، و كأنه تردد لذلك المرة بعد الأخرى، و لم يشعر أهل المسجد و نظاره بشيء من ذلك، غير أن أمة لبعض جيران الدار المذكورة رأت من سطح دارهم شخصين في أعلى دار الشباك يتعاطيان شيئا له حجم كبير و صوت صليل، فلما أصبحت أخبرت بواب المسجد فلم يعبأ بذلك لخلو تلك الدار، و بعد ذلك الأمر عن الأفكار، و لكن اللّه أراد هتك المذكور و حلول النقمة به، فأنهى بعض الناس إلى أمير المدينة أن المذكور معه شيء كثير من المال غير معهود، فأمسكه الأمير و ضيّق عليه بالسجن، فانخلس ليلا، ثم شاع بالمدينة بيع شبابيك من الفضة و الذهب، فكثر القال و القيل، ثم في شهر ربيع الأول من سنة إحدى و ستين استفاض أن برغوثا بالينبع و معه قطع من ذهب القناديل، فافتقد النظار الحجرة الشريفة، فرأوا أكثر القناديل مأخوذا، فعلموا الحال، لكن لم يعلموا الكيفية، و اتهمت ابنة السراج النفطي بممالأة برغوث على ذلك و أنه إنما تسور من بيت أبيها لكونه متصلا بالمسجد في قبلته، و أظهر اللّه براءتها بعد ذلك، و كان بالمدينة إذ ذاك زين الدين استدار الصحبة فعقد مجلسا لذلك، و اجتمع أعيان أهل المدينة، و كتبوا إلى أمير الينبع بالقبض على برغوث و إرساله، فقبض عليه، فاعترف أنه فعل ذلك هو و دبوس بن سعد الحسيني الطفيلي، و جعل أن دخوله من بيت المرأة المتقدم ذكرها، و أن بعض الخدام اطأه على ذلك، ثم أظهر اللّه الحق، و أن دخوله إنما كان من دار الشباك، و أن شريكه المعين له على ذلك دبوس المذكور، و لم ير أمير ينبع إرساله إلى المدينة، بل تركه عنده منتظرا الأوامر السلطانية، ثم إن أمير المدينة أمسك دبوسا و بعض أقاربه، فأنكر هو، و أقر عليه بعض جماعته و أحضروا جانبا من الذهب و الفضة، ثم هرب برغوث من الحبس بالينبع، ثم ساقه اللّه إلى المدينة، فلما وصل دلّ عليه أميرها، فأمسكه و حبسه مع دبوس و ذويه، فهربوا، ثم أظفر اللّه بهم، و لم يغب منهم إلا دبوس، و برزت المراسيم بقتل من تجرأ على هذه العظيمة، فقتل أمير المدينة برغوثا و آخر معه من أقاربه يسمى ركابا، و صلبهما، ثم ظفر بدبوس و قتله أيضا.
و أخبرت عن برغوث أنه قال: كنت كلما توجهت في حال هربي لغير جهة المدينة كأني أجد من يصدني عن ذلك، و إذا قصدت جهة المدينة تيسرت لي و كأن شخصا يقودني إليها حتى دخلتها.
و أما عدة القناديل الموجودة في زماننا هذا بالحجرة الشريفة فقد ضبطت في أول سنة