وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩٧ - فرش المساجد
القملة في ثوبه و هو في المسجد فليجعلها في ثوبه حتى يخرج بها. قال النووي: فإن قتلها لم يجز إلقاؤها في المسجد؛ لأنها ميتة، و كره مالك قتلها في المسجد، و نقل ابن العماد عن كتب المالكية أنه يحرم طرح القمل حيا، بخلاف البرغوث؛ لأن البرغوث يعيش بأكل التراب، بخلاف القمل ففي طرحه تعذيبه بالجوع، انتهى.
و قد جاءت أحاديث في النهي عن البيع و الشراء و إنشاد الضالة في المسجد، و روى ابن أبي عدي الحافظ من حديث علي بن أبي طالب قال: صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين، فرأى خياطا في ناحية المسجد، فأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد، و يغلق الأبواب، و يرش أحيانا، فقال عثمان: إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: جنبوا صناعكم من مساجدكم.
قلت: و من المنكرات في زماننا ما يتساهل فيه المتكلمون في أمر العمارة من استعمال النشارين و النجارين و الحجارين بالمسجد النبوي للعمل في آلاته و اكتساب أولئك العمال بذلك، مع ما يتولد من ذلك من الدق العنيف و تشعيث المسجد بما ينشر من النشارة و النجارة و غير ذلك، مع إمكان عمل ذلك خارج المسجد الشريف و الإتيان به مهيأ. و قد قدمنا أن عائشة (رضي الله عنها) كانت تسمع الوتد أو المسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بالمسجد فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أن عليا ما صنع مصراعي داره إلا بالمناصع توقيا لذلك، و في خبر رواه المقدسي في «مثير الغرام» عن كعب الأحبار أن سليمان (عليه السلام) قال للعفريت الذي أحضره لقطع الرخام لعمارة بيت المقدس: هل عندك من حيلة أقطع بها الصخر؟ فإني أكره صوت الحديد في مسجدنا هذا، و الذي أمرنا اللّه به من ذلك هو الوقار و السكينة، فقال: ابتغ لي وكر عقاب فإني لا أعلم في السماء طيرا أشد منه و لا أكثر حيلة، فوجدوا وكر عقاب، فغطى عليه ترسا غليظا من حديد، فجاءه العقاب فلم يقدر عليه، فحلق في السماء متطلعا فلبث يومه و ليلته ثم أقبل و معه قطعة من السامور، فتفرقت له الشياطين حتى أخذوه منه، فأتوا به سليمان (عليه السلام)، فكان يقطع به الصخر، انتهى.
و كذلك إدخالهم البغال و الحمير الحاملة لتلك الآلات مع إمكان حمل الرجال لها من باب المسجد، و اللّه الموفق.
و إذا سمع شخص من ينشد ضالة في المسجد فليقل له: أيها الناشد غيرك الواجد، و ما أشبهه مما ورد، إلا أن يسأل الإنسان جلساءه فليس بذلك بأس، و لا يبلغ بذلك الصوت كما نقله ابن زبالة عن مالك، و من باع فيه قيل له: لا أربح اللّه تجارته، كما ورد مرفوعا.
قال الزين المراغي: و القياس أن يقال للسائل فيه: لا فتح اللّه عليه، كما قاله بعض