وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٧ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
ذكره من الجدار الظاهر، فهدموا جانبا من الصفحة الشرقية و جانبها مما يليها من الصفحة المنحرفة منها إلى جهة الزاوية الشمالية، و سعة ذلك خمسة أذرع بذراع اليد، و ذلك من بعد نحو أربعة أذرع من الأرض إلى رأس الجدار المذكور، فظهر حينئذ هدم الحريق الذي في الفضاء الكائن بين جداري الحجرة الشريفة، و رأينا فيه كثيرا من الأخشاب المحترقة قد سلم من بعضها قدر الذراع و نحوه.
ثم في خامس عشر الشهر المذكور حضروا لتنظيف ذلك، و توجه متولي العمارة لشيخنا العارف بالله تعالى سيدي شهاب الدين الأبشيطي قدس اللّه روحه، و سأله في الحضور للتبرك به، فحضر من خارج الجدار، و امتنع من الدخول و قرأ الفاتحة، و قال: نظفوا على بركة الله، ثم انصرف و قال لي بعد ذلك: ذكروا لنا أن هدم ذلك ضروري، فقلنا لهم:
الضروري يعمل، فلما دخلوا لإزالة ذلك شاهدت أمرا مهولا من ردم الحريق بحيث لم يتأت إزالته إلا بالعتل و المساحي، و تحققت بسبب ذلك عذر من أدرك زمن الحريق في عدم إزالة ما بالحجرة الشريفة منه كما قدمناه، و كان ارتفاعه في ذلك المحل نحو القامة، و هو ردم من السقف الأعلى و جص و آجر من الجدار الذي كان بأعلى سقف المسجد لتمييز الحجرة الشريفة عن غيرها، كما تقدم بيانه، و مما كان على رءوس الأساطين و مما احترق من أخشاب ذلك، فاشتغلوا بتنظيفه و تزاحم الناس عليه فاستمروا في ذلك حتى بلغوا في تنظيفه الأرض القديمة، بحيث ظهر تحصيب ذلك المحل بحصباء تشبه ما في المسجد، غير أنها قد اسودّت من نداوة الأرض، و اعتبرت التفاوت بين الأرض المرخمة خارج الجدار الظاهر و الأرض المذكورة بداخله، فكانت الأرض المذكورة- أعني الداخلة بين الجدارين- أخفض من الخارجة بذراع و ثلث بذراع اليد، و ظهر من وصف البناء الداخل ما قدمناه في الفصل الثاني و العشرين من كونه مربعا بأحجار منحوتة عليها أبهة عظيمة، و أن الصفحة الغربية منه ملاصقة للصفحة الغربية من البناء الظاهر، و ليس بينهما و لا مغرز إبرة، و أنه لا باب فيه و لا موضع باب، و في الصفحة الشمالية لا صق بها الأسطوان التي قدمنا وصفه، و أن بعضه داخل في الصفحة المذكورة، و قد أثر فيه الحريق كما قدمناه حتى تشطب بعضه سيما في أعاليه و هو في صف مربعة القبر يليها من جهة المشرق.
و تبين حينئذ ما في الجدار الداخل من الانشقاق المتقدم وصفه في شماليه مما يلي المشرق، فأدخلوا فيه شمعة، فشاهدوا فيما يقابله من الجدار القبلي مما يلي المشرق أيضا انشقاقا مثله، و تبين لي أن البناء المتقدم وصفه بين الجدارين القبليين في موازاة الأسطوانة الظاهرة في الجدار القبلي التي يقف عندها المسلّم على عمر (رضي الله عنه) إنما جعل إدعاما للجدار المذكور لما حدث به ذلك الانشقاق، و ظهر ما أدعموا به من الأخشاب بين الجدار