وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٧٠ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
و قد هبّت نسيمات لنجد * * * فطب و اشرب بكاسات كبار
فما وقت يمرّ بمستعاد * * * و ما دار الأعزّة بالقرار
فودّع أرض نجد قبل بعد * * * فما نجد لمرتحل بدار
أقول لمن يمرّ بأرض نجد * * * و يظفر من رباها بالديار
تزود من شميم عرار نجد * * * فما بعد العشية من عرار
و قل أيضا لمغتنم صفاء * * * على معنى يلوح لذي اعتبار
إذا العشرون من شعبان ولّت * * * فواصل شرب ليلك بالنهار
و لا تشرب بأقداح صغار * * * فإن الوقت ضاق على الصغار
فلما قضيت من ذلك الوطر، متعت عيني من تلك الساحة بالنظر، لأتحف بوصفها المشتاقين، و أنشر من طيب أخبارها في المحبين، فتأملت الحجرة الشريفة فإذا هي أرض مستوية، و تناولت من ترابها بيدي فإذا فيه نداوة و حصباء كالحصباء المتقدم وصفها بين الجدارين يظهر عند فحصه بالأصابع، و لم أجد للقبور الشريفة أثرا، غير أن بأوسط الحجرة موضعا فيه ارتفاع يسير جدا، توهموا أنه القبر الشريف النبوي، فأخذوا من ترابه للتبرك فيما زعموا، و منشأ ذلك الوهم جهل من كان هناك بأخبار الحجرة الشريفة، و ذلك المحل ليس هو القبر النبوي قطعا، و لعله قبر عمر (رضي الله عنه)؛ لأن الشافعي (رضي الله عنه) قد نص على أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إنما لحد له في جدار القبلة.
قال الشافعي، فيما نقله عنه الأقشهري ردا على من قال إن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أدخل لقبره معترضا: هذا من فحش الكلام في الأخبار؛ لأن قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان قريبا من الجدار، و كان اللحد تحت الجدار، فكيف توضع الجنازة على عرض القبر حتى سلّ معترضا؟ فدلّ على أن هذا النقل غير صحيح، انتهى.
و روى ابن عساكر عن جابر (رضي الله عنه) قال: رشّ قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و كان الذي رش الماء على قبره بلال بن رباح بقربة بدأ من قبل رأسه حتى انتهى إلى رجليه ثم ضرّجه بالماء إلى الجدار، لم يقدر على أن يدور من الجدار لأنهم جعلوا بين قبره و بين حائط القبلة نحوا من سوط.
و قال ابن سعد في طبقاته: أخبرنا شريح بن النعمان عن هشيم قال: أخبرني رجل من قريش من أهل المدينة يقال له محمد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: سقط حائط قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في زمن عمر بن عبد العزيز- و هو يومئذ على المدينة في ولاية الوليد- فكنت في أول من نهض، فنظرت إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإذا ليس بينه و بين حائط عائشة (رضي الله عنها) إلا نحو من شبر، فعرفت أنهم لم يدخلوه من قبل القبلة، و على تقدير أن يكون ثمّ موضع بين