وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤٩ - أهل الصفة
أهل الصفة
و قد روى ابن سعد في مرسل يزيد بن عبد الله بن قسيط: كان أهل الصفة ناسا فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره.
و روى البيهقي عن عثمان بن اليمان قال: لما كثرت المهاجرون بالمدينة و لم يكن لهم دار و لا مأوى أنزلهم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) المسجد، و سماهم أصحاب الصفة، فكان يجالسهم و يأنس بهم.
و أسند يحيى عن فضالة بن عبيد قال: كنا نصلي مع رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فيخر قوم من قامتهم من الخصاصة [١]، حتى يقول الأعرابي: مجانين، و هم أهل الصفة، فإذا صلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) أتاهم فوقف عليهم، فقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فقرا و حاجة.
و في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا ناسا فقراء، و أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، و من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس- الحديث.
و فيه من حديث أبي هريرة قال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار و إما كساء قد ربطوه، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، و منها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته.
و فيه من حديث أبي هريرة أيضا أنه كان يقول: و الله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، و إن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، و لقد قعدت يوما في طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا يستتبعني، فمر و لم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم (صلّى اللّه عليه و سلم) فتبسم حين رآني و عرف ما في نفسي و ما في وجهي، ثم قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق، فمضى فتبعته، فدخل فاستأذن، فأذن لي، فدخلت فوجدنا لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟
فقالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، و أهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل و لا مال و لا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم، و لم يتناول منها شيئا، و إذا أتته هدية أرسل إليهم و أصاب منها و أشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: و ما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها، فلما جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، و ما
[١] الخصاصة: سوء الحال و الفقر و الحاجة.