وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٢١ - باب زياد (باب القضاء)
(صلّى اللّه عليه و سلم) لمسجده أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) جعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، و باب عاتكة الذي يدعى باب عاتكة و يقال باب الرحمة، هذا لفظه. و أطبق على وصفه بذلك من بعده من المؤرخين، حتى صار في زماننا هو الأغلب عليه، و مع ذلك فلم أر في كلام أحد بيان السبب في تسميته بذلك، و سألت عنه من لقيته من المشايخ فلم أجد عند أحد منهم علما من ذلك، ثم ظهر لي معناه بحمد اللّه تعالى، و ذلك أن البخاري روى في صحيحه عن أنس بن مالك أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قائم يخطب، فاستقبل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، و انقطعت السبل، فادع الله يغثنا، فرفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يديه ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: و لا و اللّه ما نرى في السماء من سحاب و لا قزعة، و ما بيننا و بين سلع من بيت و لا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، و لما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا و اللّه ما رأينا الشمس سبعا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة- يعني الثانية- و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قائم يخطب- الحديث- بطوله، و سنبين في باب زياد- و هو الذي يلي هذا- أن دار القضاء كان محلها بين باب الرحمة و باب السلام، و قد تقرر أنه لم يكن للمسجد في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) في هذه الجهة إلا الباب المعروف بباب الرحمة؛ فظهر أن هذا الرجل الطالب لإرسال المطر و هو رحمة إنما دخل منه، و قد أنتج سؤاله حصول الرحمة، و أنشأ الله السحاب الذي كان سببا فيها من قبله أيضا؛ لأن سلعا في غربي المسجد، فسمي و اللّه أعلم بباب الرحمة لذلك، لكن في رواية البخاري عن أنس أيضا أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر، و مقتضاها أنه دخل من الباب الذي كان في شامي المسجد؛ لقرب إطلاق مواجهته للمنبر عليه، لكن ذلك الباب ليس نحو دار القضاء، فليجمع بين الروايتين بأن الواقعة متعددة كما اقتضاه كلام بعضهم، أو بأنه وقع التجوز في إطلاق كون ذلك الباب وجاه المنبر، أو بأن باب الرحمة كان كما قدمناه في آخر جهة المغرب مما يلي الشام، فجاء ذلك الداخل من جهته و دخل منه، ثم رأى أن قيامه بين يدي النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو على المنبر لا يتم له إلا بتخطي الصفوف، فعرج إلى الباب الآخر المواجه للمنبر، لغلب إطلاق باب الرحمة على الباب الذي في جهة مجيئه؛ لاعتضاده بما تقدم من مجيء السحاب من قبله، و اللّه أعلم.
باب زياد (باب القضاء)
و الثامن عشر: باب كان يعرف بباب زياد و قد سد أيضا عند تجديد الحائط الذي هو فيه و كان بين خوخة أبي بكر الآتي ذكرها و بين الباب الذي قبله و سمي بذلك لما رواه ابن شبة عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن عمه قال: كانت رحبة القضاء لعمر رضي الله