وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٧١ - بين عمر و العباس
و ذكر ابن هشام في كتاب التيجان أن آدم (عليه السلام) لما بنى البيت أمره جبريل (عليه السلام) بالمسير إلى بيت المقدس و أن يبنيه، فبناه و نسك فيه [١].
و أجاب بعضهم بأن داود و سليمان (عليهما السلام) إنما كان لهما من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، و الذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق (عليهما السلام) بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا القدر.
و يشكل على ذلك ذكر القصة المتقدمة؛ لأنه حينئذ لا يحتاج إلى شراء أرضه، نعم قال الخطابي: يشبه أن يكون المسجد الأقصى وضع قبل داود و سليمان، ثم زادا فيه و وسعاه فأضيف إليهما بناؤه، فيحتمل حينئذ أن القصة المتقدمة وقعت فيما وقع الأمر بزيادته فيه، و يؤيد ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي يحيى الضرير زيد بن الحسن البصري حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب أنه قال للعباس (رضي الله عنهما): إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: نزيد في المسجد، و دارك قريبة من المسجد، فأعطناها نزيدها فيه، و أقطع لك أوسع منها، قال: لا أفعل، قال: إذا أغلبك عليها، قال: ليس لك ذلك، قال: فأجعل بيني و بينك من يقضي بالحق، قال: و من هو؟
قال: حذيفة بن اليمان، قال: فجاؤوا إلى حذيفة (رضي الله عنه)، فقصوا عليه، فقال حذيفة: عندي في هذا خبر، قالوا: و ما ذاك؟ قال: إن داود النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أراد أن يزيد في بيت المقدس، و قد كان بيت قريب من المسجد ليتيم، فطلب إليه فأبى، فأراد أن يأخذه منه، فأوحى اللّه عز و جل إليه إن أنزه البيوت عن الظلم لبيتي، قال: فتركه، فقال له العباس:
فبقي شيء؟ قال: لا، قال: فدخل عمر المسجد فإذا ميزاب للعباس شارع في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يسيل ماء المطر منه، فقال عمر بيده فقلع الميزاب، فقال: هذا الميزاب لا يسيل في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال له العباس: و الذي بعث محمدا بالحق إنه هو الذي وضع هذا الميزاب في هذا المكان و نزعته أنت يا عمر، فقال عمر (رضي الله عنه): ضع رجليك على عنقي لترده إلى ما كان، ففعل ذلك العباس، ثم قال العباس (رضي الله عنه) [قد أعطيتك الدار تزيدها] في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فزادها عمر في المسجد، ثم قطع للعباس دارا أوسع منها بالزوراء، و قال الحاكم: هذا الحديث كتبناه [عن أبي جعفر و أبي علي الحافظ] [٢] و لم يكتبه إلا بهذا الإسناد، و الشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم،
[١] نسك فيه: تزهد و تعبّد فيه.- و أصل مأخذه النسيكة: سبيكة الفضة الخالصة.
[٢] ما بين [] بياض بالأصل، و هذه الزيادة من كتاب المستدرك لأبي عبد اللّه الحاكم.