وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩٣ - مبدأ تخليق المسجد
قلنا: مساق الحديث لبيان أدب المصلي في كيفية البصق، من غير تعرض لكونه في مسجد، و البصاق في المسجد قد بينه منطوق الحديث السابق؛ فلا يترك بهذا، و أفاد القفال في فتاويه- و قد ذكر حديث النخامة في المسجد- فائدة حسنة فقال: هذا الخبر محمول على ما إذا نزلت النخامة من الرأس، أما إذا كانت من الصدر فهي نجسة؛ فلا يجوز دفنها في المسجد».
و روى أبو داود من حديث ابن عمر قال: بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكّها، و أحسبه قال: فدعا بزعفران فلطّخه به، و قال: إن اللّه قبل وجه أحدكم فلا يبزقن بين يديه.
و روى ابن شبة عن شيخه خلاد بن يزيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلّى صلاة ذات يوم، فرأى في قبلة المسجد نخامة، فلما قضى صلاته أخذ عودا فحكها، ثم دعا بخلوق فخلّق مكانها، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إذا صلى أحدكم فلا يتفل أمامه و لا عن يمينه؛ فإنه يستقبل الرب عز و جل بوجهه.
مبدأ تخليق المسجد
و روى ابن شبة أيضا بسند جيد إلى أبي الوليد قال: قلت لابن عمر: ما بدء الزعفران- يعني: في المسجد- فقال: رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نخامة في المسجد، فقال: ما أقبح هذا! من فعل هذا؟ فجاء صاحبها فحكها و طلاها بزعفران، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): هذا أحسن من ذلك.
و رواه يحيى بلفظ: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن أ لا تخبرني ما كان بدء هذه الصفرة التي في قبلة المسجد؟ قال: نعم، صلى بنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى إذا انصرف رأى نخامة في القبلة، و ذكره، و قال: فسارع الناس إليه، فكان هذا بدأه.
و روى النسائي و ابن ماجه عن أنس قال: رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فقامت امرأة من الأنصار فحكتها، فجعلت مكانها خلوقا، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): ما أحسن هذا!
و روى ابن شبة أيضا بسند جيد عن أبي نضرة أن ذلك الذي بزق في قبلته جاء بشيء من زعفران فطلى ذلك المكان، فأعجب ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و روي أيضا بسند لا بأس به قال: أبصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في حائط المسجد بزاقا، فحكه على خرقة، و أخرجه من المسجد، فجعل مكانه شيئا من طيب أو زعفران أو ورس.
و عن إبراهيم بن قدامة عن أبيه أن عثمان بن مظعون تفل في القبلة، فأصبح مكتئبا، فقالت له امرأته: ما لي أراك مكتئبا؟ قال: لا شيء إلا أني تفلت في القبلة و أنا أصلي، فعمدت إلى القبلة فغسلتها ثم عملت خلوقا فخلّقتها، فكانت أول من خلّق القبلة.