وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩٤ - مبدأ تخليق المسجد
و روي أيضا برجال ثقات عن جابر عن عبد قال: أتانا رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) في مسجدنا هذا و في يده عرجون ابن طاب، فرأى في قبلة مسجدنا نخامة فحكها بالعرجون، ثم أقبل علينا فقال: أيكم يحب أن يعرض اللّه عنه؟ قلنا: لا أينا يا رسول الله، قال: فإن أحدكم إذا قام يصلي فإن اللّه قبل وجهه فلا يبصق قبل وجهه و لا عن يمينه، و ليبصق قبل يساره تحت رجله اليسرى، فإن عجلت به بادرة فليقل هكذا بثوبه، ثم طوى بعضه على بعض، أروني عبيرا، فقام فتى من الحي يشتد إلى أهله فجاء بخلوق في راحته، فأخذه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على رأس العرجون ثم لطخ به على أثر النخامة، قال جابر (رضي الله عنه): فمن هنالك جعلتم الخلوق في مساجدكم.
و قد رواه أبو داود بنحوه و جابر هو من بني حرام بطن من بني سلمة، و مسجدهم كان بمنازلهم التي في غربي بطحان و مساجد الفتح، و ليس هو مسجد القبلتين كما وقع للمطري و جماعة حتى جعلوا أمر الخلوق له لما سنبينه.
و سيأتي ما رواه ابن زبالة من حديث جابر أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صلّى في مسجد بني حرام بالقاع، و أنه رأى في قبلته نخامة، و كان لا يفارقه عرجون ابن طاب يتخصر به، و ذكر الحديث الآتي، و فيه «فكان أول مسجد خلّق».
و روى أبو داود و ابن حبان في صحيحه عن أبي سهلة السائب بن خلاد من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أن رجلا أمّ قوما فبصق في القبلة و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ينظر، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين فرغ: لا يصلى لكم، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه و أخبروه بقول رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)، فذكر ذلك لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فقال: نعم، و حسبت أنه قال: إنك آذيت اللّه و رسوله.
و في رواية أوردها المجد أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لما رأى النخامة في المحراب قال: من إمام هذا المسجد؟ قالوا: فلان، قال: قد عزلته، فقالت امرأته: لم عزلك النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من الإمامة؟
فقال: رأى نخامة في المحراب، فعمدت إلى خلوق طيب فخلقت به المحراب، فاجتاز رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: من فعل هذا؟ فقالوا: امرأة الإمام، قال: وهبت ذنبه لامرأته و رددته إلى إمامته.
قلت: و اختلاف هذه الروايات صريح في أنها وقائع متعددة؛ فلا تعارض فيها، نعم هي متضمنة للرد على ما رواه ابن شبة عن جابر بن عبد اللّه قال: كان أول من خلق المسجد و رزق المؤذنين عثمان (رضي الله عنه)، و تقدم في الفصل الرابع من رواية يحيى عن جابر بنحوه، إلا أن يحمل على أن المراد أنه اتخذ له الخلوق من بيت المال.
و نقل ابن زبالة عن ابن عجلان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله على المدينة أن لا يخلق إلا القبلة، و أن يغسل الأساطين، قال: فلم تكن الأساطين تخلّق في سلطانه.