وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٢ - معنى أن الروضة من رياض الجنة
الأرض تذهب و تفنى، و وافقه على ذلك جماعة من العلماء، انتهى و نقله الحطيب ابن حملة عن الداروردي، و صححه ابن الحاج في مدخله؛ لأن العلماء فهموا من ذلك مزية عظيمة لهذا المحل.
ثم رأيت في كلام الحافظ ابن حجر ترجيحه في موضع آخر، فقال في الكلام على الحوض: و المراد بتسمية ذلك الموضع روضة أن تلك البقعة تنقل إلى الجنة فتكون روضة من رياضها، أو أنها على المجاز لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة، ثم قال:
و هذا فيه نظر؛ إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة، و الخبر مسوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها، انتهى.
قلت: و أحسن من ذلك ما ذهب إليه ابن أبي جمرة من الجمع بين هذا و ما قبله، و منه استنبطنا ما قدمناه في أمر المنبر، فإنه لم يعول على ذكر المعنى الأول و قال بعد ذكر المعنيين الأخيرين: الأظهر- و الله أعلم- الجمع بين الوجهين؛ لأن لكل منهما دليلا يعضده، أما الدليل على أن العمل فيها يوجب الجنة فلما جاء في فضل مسجدها من المضاعفة، و لهذه البقعة زيادة على باقي بقعه، و أما الدليل على كونها بعينها في الجنة فلإخباره (صلّى اللّه عليه و سلم) بأن المنبر على الحوض، لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره؛ و أنه حق محسوس موجود على حوضه.
قلت: و فيه نظر؛ لما قدمناه.
قال: و قد تقرر في قواعد الشرع أن الشرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا و الإخبار بذلك إلا تعميرها بالطاعات؛ قال: و يحتمل وجها ثالثا؛ و هو أن تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة كما أن الحجر الأسود من الجنة؛ فيكون الموضع المذكور روضة من رياض الجنة الآن؛ و يعود روضة في الجنة كما كان؛ و يكون للعامل بالعمل فيه روضة في الجنة؛ قال:
و هو الأظهر؛ لعلو مكانته (عليه السلام)؛ و ليكون بينه و بين الأبوة الإبراهيمية في هذا شبه، و هو أنه لما خص الخليل بالحجر من الجنة خص الحبيب بالروضة منها.
قلت: و هو من النّفاسة بمكان، و فيه حمل اللفظ على ظاهره، إذ لا مقتضى لصرفه عنه، و لا يقدح في ذلك كونها تشاهد على نسبة رياض الدنيا فإنه ما دام الإنسان في هذا العالم لا ينكشف له حقائق ذلك العالم لوجود الحجب الكثيفة و الله أعلم.
و تخصيص ما أحاطت به البينية المذكورة بذلك إما تعبد و إما لكثرة تردده (صلّى اللّه عليه و سلم) بين بيته و منبره و قرب ذلك من قبره الشريف الذي هو الروضة العظمى كما أشار إليه ابن أبي جمرة أيضا.
و قال الجمال محمد الراساني الريمي: اتفقوا على أن هذا اللفظ معقول المعنى، مفهوم