وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٠٥ - الفصل الثامن عشر في زيادة المهدي
لهما عن تلك الجهة الشريفة، ثم توارثوا ذلك، و استمر العمل عليه، فلما ترك ذلك وصلوا على الجنائز في المسجد مشوا على ما اعتادوه من جعل رجلي الميت عن يسار الإمام مع الغافلة عن ذلك، و إذا لم تثبت سنة في جعل رجلي الميت عن يسار الإمام فينبغي جعلهما عن يمينه في هذا المحل الشريف، استعمالا لكمال الأدب.
و قد قال لي الشيخ فتح الدين بن تقي الدين الكازروني- و كان يعد من فضلاء الشافعية- و قد ذاكرته بذلك: إذا أنا مت فليجعل رجلاي عن يمين الإمام، ففعل به ذلك رحمة الله، على أن الموضع الذي يلي الأرجل الشريفة من المسجد هو من موضع الجنائز في زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيما يظهر، و يدل عليه ما اتفق لبني النجار لما أراد عمر بن عبد العزيز قطع النخلتين عند عمارته للمسجد؛ فلو صلّى فيه اليوم على من يدخل به المسجد من الجنائز لكان أولى؛ فإنه يتأتى فيه كون الرجلين عن يسار الإمام و الرأس في جهة الأرجل الشريفة، و يكون أفضل لما جرت به العادة من الخروج بالميت من باب جبريل، و أوفق لفعل السلف في الصلاة على موتاهم هناك، و لم يوافق على شيء من ذلك المتمسكون بالعادات، و قد ذكرت نص ما أجبت به في ذلك مبسوطا استطرادا في كتابي «دفع التعرض و الإنكار، لبسط روضة المختار» و اللّه أعلم.
الفصل الثامن عشر في زيادة المهدي
نقل ابن زبالة و يحيى أن المسجد لم يزل على حالة ما زاد فيه الوليد إلى أن هم أبو جعفر المنصور بالزيادة فيه، ثم توفي و لم يزد فيه، حتى زاد فيه المهدي، لكن ذكر يحيى في حكاية ما كان مكتوبا في جدار القبلة ما لفظه: ثم إلى جنب هذا الكتاب- أي ما كتب في زمن المهدي- كتاب كتب في ولاية أبي العباس، يعني السفاح، وصل هذا الكتاب أي كتاب المهدي إليه، و هو: أمر عبد اللّه عبد اللّه أمير المؤمنين بزينة هذا المسجد و تزيينه و توسعته مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) سنة اثنتين و ثلاثين و مائة، ابتغاء رضوان اللّه و ثواب الله، و إن الله عنده ثواب الدنيا و الآخرة، و كان اللّه سميعا بصيرا، انتهى.
و هو يقتضي أن أبا العباس السفاح- و هو أول خلفاء بني العباس- زاد في المسجد أول ولايته، و ولايته سنة اثنتين و ثلاثين، و وفاته سنة ست و ثلاثين و مائة، و سنشير إلى محمل ذلك آخر الفصل.
و لفظ ما نقله ابن زبالة عن غير واحد من أهل العلم- منهم عبد العزيز بن محمد و محمد ابن إسماعيل- قالوا: لم يزل المسجد على حال ما زاد فيه الوليد بن عبد الملك حتى ولي أبو جعفر عبد الله- يعني المنصور بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس- فهمّ بالزيادة،