وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٤ - الفصل الرابع الروايات في حنين الجذع
و قال أبو اليمن بن عساكر في تحفته: و في رواية فلما جلس عليه أي المنبر حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فوضع يده عليها، فلما كان من الغد رأيتها قد حوّلت، فقلنا: ما هذا؟ قال: جاء النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر و عمر فحولوها، انتهى.
و في مسند الدارمي من حديث بريدة: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا خطب قام فأطال القيام، فكان يشق عليه قيامه، فأتى بجذع نخلة، فحفر له و أقيم إلى جنبه قائما للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فكان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إذا خطب فطال القيام عليه استند فاتكى عليه، فبصر به رجل كان ورد المدينة فرآه قائما إلى جنب ذلك الجذع، فقال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمدا يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، و إن شاء قام، فبلغ ذلك النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: ائتوني به، فأتوه به، فأمر أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع، هي الآن في مسجد المدينة؛ فوجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في ذلك راحة، فلما فارق النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) الجذع و عمد إلى هذه التي صنع له جزع الجذع فحنّ كما تحن الناقة، حين فارقه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، فزعم ابن بريدة عن أبيه (رضي الله عنه) أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حين سمع حنين الجذع رجع إليه فوضع يده عليه، و قال: اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت، و إن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها و عيونها فتحسن زينتك، و تثمر، فتأكل كل أولياء الله من ثمرتك و تخلد؛ فعلت؛ فزعم أنه سمع من النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يقول له: نعم قد فعلت، مرتين، فسئل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال: اختار أن أغرسه في الجنة.
و لفظه عند عياض: إن شئت أردك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك، و يكمل خلقك، و يجدد لك خوص و ثمرة، و إن شئت أغرسك في الجنة فتأكل أولياء الله من ثمرك، ثم أصغى له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يسمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله و أكون في مكان لا أبلي فيه فسمعه من يليه، قال (صلّى اللّه عليه و سلم): قد فعلت، ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى و قال: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) شوقا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه، و هو في كتاب يحيى بنحوه، و في حديث سهل بن سعد عند أبي نعيم: فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): أ لا تعجبون من حنين هذه الخشبة، فأقبل الناس عليها فسمعوا من حنينها حتى كثر بكاؤهم.
و في لفظ عند ابن عبد البر: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع و انشق، فرجع إليه رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) فمسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، قال: فكان إذا صلّى صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فلم يزل عنده حتى أكلته الأرضة و عاد رفاتا.
و هذا يبعد ما قدمناه من التأويل؛ إذا ظاهره أنه لم يدفن.
و يحتمل: أن ذلك كان بعد دفنه، و مشى يصلي إليه قريبا منه؛ لأنه كان عند مصلّاه كما سنحققه.