وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٨١ - الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان
الفصل الرابع عشر في زيادة عثمان بن عفان (رضي الله عنه)
روينا في صحيح البخاري و سنن أبي داود عن نافع أن عبد الله- يعني ابن عمر- أخبره أن المسجد كان على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مبنيا باللبن، و سقفه الجريد، و عمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئا، و زاد فيه عمر و بناه على بنائه في عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) باللبن و الجريد، و أعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، و بنى جداره بالحجارة المنقوشة و القصّة [١]، و جعل عمده من حجارة منقوشة، و سقفه بالساج.
و روى أبو داود أيضا- و سكت عليه- عن عطية عن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال:
إن مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كانت سواريه على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من جذوع النخل، أعلاه مظلل بجريد النخل، ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر (رضي الله عنه) فبناها بجذوع النخل و بجريد النخل، ثم إنها نخرّت في خلافة عثمان (رضي الله عنه) فبناها بالآجر، فلم تزل ثابتة حتى الآن، هكذا رأيته في أصول متعددة معتمدة من السنن، و أورده المجد بلفظ: ثم إنها نخرت في خلافة عمر- بدل أبي بكر- و لم أره في شيء من النسخ.
و في هذا الخبر ما يقتضي أن السبب في بناء عثمان للمسجد كون الجذوع التي هي السواري نخرت، و أن عثمان بناها بالآجر لا الحجر، فلعل البعض كان في زمنه مبنيا بالآجر و هو بعيد، و ما تقدم من رواية الصحيح أصح.
و في صحيح مسلم عن محمود بن لبيد أن عثمان بن عفان أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك، و أحبوا أن يدعه على هيئته، فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: من بنى «مسجدا لله» بنى اللّه له في الجنة مثله.
و فيه و في البخاري عن عبيد اللّه الخولاني أنه سمع عثمان عند قول الناس فيه حين بنى مسجد الرسول: إنكم قد أكثرتم، و إني سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: من بنى مسجدا لله عز و جل، الحديث.
و قوله في الرواية الأولى إن عثمان أراد بناء المسجد يبين أن المراد من قوله حين بناء المسجد حين أراد بناءه، إلا أن يكون ذلك قد تكرر من عثمان لتكرر كلامهم قبل البناء و بعده، و هو الأقرب، و قوله «و أحبوا أن يدعه على هيئته» أي بجذوع النخل و اللبن كما فعل عمر (رضي الله عنه) لموافقته لفعله (صلّى اللّه عليه و سلم)، و لهذا قال البغوي في شرح السنة: لعل الذي كره الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة، لا مجرد توسيعه، اه. و يؤيده ما سيأتي من
[١] القصّ: الجصّ. و سمي موضع قرب المدينة بذي القصّة لأن به الجصّ.