وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٧١ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
القبر الشريف و بين جدار القبلة بحيث يتأتى إدخاله (صلّى اللّه عليه و سلم) من ناحية القبلة فلا يكون ذلك الموضع محل القبر الشريف؛ لبعده من جدار القبلة جدا. و فيما رواه ابن زبالة و يحيى من خبر عبد اللّه بن محمد بن عقيل في قصة سقوط جدار الحجرة الشريفة المتقدم ذكره أن عمر بن عبد العزيز قال لمزاحم لما دخل: يا مزاحم كيف ترى قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: متطأطئا، قال:
فكيف ترى قبر الرجلين؟ قال: مرتفعين، قال: أشهد أنه رسول الله.
و قد قدمنا من وصف داخل الحجرة و ذكر ذرعها ما فيه كفاية.
و قد تأملت التفاوت بين أرض الحجرة الشريفة و بين أرض الفضاء الخارج بين الجدار الشامي الداخل و زاوية الجدار الخارج فوجدت أرض الحجرة أنزل منه بنحو ذراع و نصف، و تقدم أن أرض الفضاء المذكور أخفض مما حول الحجرة من المسجد بذراع و ثلث، فيكون التفاوت بين داخل أرض الحجرة و أرض المسجد نحو ثلاثة أذرع.
و تأملت آثار ردم الحريق في الجدران فرأيته في بعضها نحو ثلاثة أذرع، و في بعضها نحو ذراعين، و أخبرني المباشرون لإخراجه بذلك أيضا.
ثم هدموا من الجدار القبلي مما يلي المشرق جانبا نحو أربعة أذرع و شيء، حتى بلغوا به أرض الحجرة.
و هدموا أيضا جانبا من الجدار الغربي مما يلي الشام حتى بلغوا به الأرض أيضا، و ذلك نحو خمسة أذرع منه، فعلوا ذلك ليتأتى لهم إحكام القبة التي أجمعوا أمرهم عليها، و لم يبق من أركان الحجرة الشريفة سوى مجمع جدار القبلة و جدار المغرب.
ثم إنهم هدموا من علو ما بقي من الجدارين المذكورين نحو خمسة أذرع، و لم يبق من بناء الحجرة الأصلي إلا ما فضل منهما.
و وجدوا عند هدم مبدأ الجدار القبلي من أعلاه ميزابا قد احترق بعضه من جهة ما كان في بناء الجدار، و بقي منه نحو الذراع، و هو من عرعر له رائحة ذكية، و سعة مجرى الماء فيه نحو أربعة أصابع أو خمسة، كأنه كان ميزابا للحجرة الشريفة قديما فحرص الأقدمون على ما بقي منه بعد الحريق و وضعوه بين السترة التي أحدثوها لأجل السقف و بين رأس الجدار، فجزاهم اللّه خيرا.
و لما أعيد بناء الحجرة حرصت على أن يعاد فيها، فوعدني متولي العمارة بذلك، فلما كان عند ختم البناء سألته عنه، فذكر لي أنه جعله في البناء الآتي ذكره في أعلى الجدار الشامي بين ما بقي من لبن الحجرة و ليس عليه بطين ذلك اللبن.
ثم عند الشروع في إعادة بناء الحجرة اقتضى رأيهم إدخال الأسطوان المتقدم وصفه خلف جدار الحجرة الشامي لتشققه فزادوا في عرض ذلك الجدار من الرحبة المثلاثة الشكل