وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٧ - معنى أن الروضة من رياض الجنة
الأزرقي في نفائسه عن ابن عبد السلام أنه قال: الذي تبين لي طلاق الجميع و عتق الجميع، و في كتب الحنابلة نص أحمد على أنه لو قال من له زوجتان أو عبيد «زوجتي طالق، أو عبدي حر» و لم ينو معيّنا، وقع الطلاق و العتق على الجميع، تمسكا بالقاعدة المذكورة، فقد جرى ابن عبد السلام و الحنابلة على مقتضى ذلك؛ فهذه الطرق من أحسن الأدلة، و لكن على شمول الروضة لما بين المنبر و البيوت الشريفة فهو رأي آخر، و قد قدمنا من الحديث ما يصرح به، و يؤيده ما أشار إليه الريمي من أن المقتضى لكون ذلك روضة كثرة تردده (صلّى اللّه عليه و سلم) فيه، و كان يصلي قبل تحويل القبلة في طرفه الذي يلي الشام، و متهجّده كما سيأتي في جهة المشرق إلى الشام أيضا، و منبره الشريف في نهاية هذا الموضع المحدود من جهة المغرب، و مصلاه الشريف بمقدمه و به الأساطين الآتية ذوات الفضل.
و أما الرأي الثاني فدليله التمسك بظاهر لفظ البينية الحقيقية، و حمل البيت على حجرة عائشة (رضي الله عنها)، و يضعفه أن مقدم المصلى الشريف يلزم خروجه عن اسم الروضة حينئذ؛ لخروجه عن موازاة طرفي المنبر و الحجرة، مع أن الظاهر أن معظم السبب في كون ذلك روضة تشرفه بجبهته الشريفة، على أني لم أر هذا القول لأحد، و إنما أخذته من تردد الخطيب ابن حملة المتقدم.
و أما الرأي الثالث فهو ظاهر ما عليه غالب العلماء و عامة الناس، و وجهه حمل البيت على ما في الرواية الأخرى من ذكر حجرة عائشة، و جعل ما تقدم في أمر خروج مقدم المصلى الشريف دليلا على أن المراد من البينية ما حاذى واحدا من الطرفين، و أن المراد مقدم المسجد المنتهي من جهة مؤخر الحجرة الشريفة لصف أسطوان الوفود كما قدمناه، و في كلام الأقشهري إشارة له، و هذا إنما علمناه في العمارة التي سنذكرها، و لم يكن معلوما قبل ذلك، و لهذا قال المجد في الباب الأول في فصل الزيارة من كتابه ما لفظه: ثم يأتي- يعني الزائر- إلى الروضة المقدسة، و هي ما بين القبر و المنبر طولا، و لم أر من تعرض له عرضا، و الذي عليه غلبة الظنون أنه من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه، و أنا لا أوافق على ذلك، و قد بينته في موضعه من هذا الكتاب، و ذكرت أن الظاهر من لفظ الحديث يقتضي أن يكون أكثر من ذلك؛ لأن بيت النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بجميع مرافق الدار كان أكثر من هذا المقدار، انتهى.
و لم يذكر في الموضع الذي أحال عليه شيئا، و قوله «من المحراب إلى الأسطوانة التي تجاهه» كأنه يريد به الأسطوان المخلق و ما حاذاها؛ فتكون الروضة على ذلك التقدير الرواق الأول منها فقط، و هو غلط؛ لأن الحجرة الشريفة متأخرة عن ذلك لجهة الشام؛ وصف