وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣١ - معنى أن الروضة من رياض الجنة
و روى عبد الله بن أحمد في زوائد المسند برجال الصحيح إلا أن فيهم فليحا- و قد روى له الجماعة، و قال الحاكم: اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره، و قال الساجي: ذكره ابن حبان في الثقات، و قال الدارقطني: فليح يختلفون فيه، و قال بعضهم: إنه كثير الخطأ- عن عبد الله بن زيد المازني قال: قال رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما بين هذه البيوت- يعني بيوته- إلى منبري روضة من رياض الجنة، و المنبر على ترعة من ترع الجنة».
معنى كون المنبر على الحوض
و قد اختلف في معنى ذلك؛ فقال الخطابي: معنى قوله: «و منبري على حوضي» أن قصد منبره و الحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد الحوض و يوجب الشرب منه، و هذا قول الباقي، و الثاني: أن منبره الذي كان يقوم عليه (صلّى اللّه عليه و سلم) يعيده الله كما يعيد سائر الخلائق، و يكون على حوضه في ذلك اليوم، و اعتمد ذلك ابن النجار، و حكى ابن عساكر القول بأن المراد منبره بعينه الذي كان في الدنيا، ثم قال: و هو أظهر، و عليه أكثر الناس، فتبع شيخه ابن النجار في ذلك، و الثالث أن المراد منبر يخلقه الله تعالى له في ذلك اليوم، و يجعله على حوضه.
قلت: و يظهر لي معنى رابع، و هو أن البقعة التي عليها المنبر تعاد بعينها في الجنة، و يعاد منبره ذلك على هيئة تناسب ما في الجنة؛ فيجعل المنبر عليها عند عقر الحوض، و هو مؤخره، و عن ذلك عبر بترعة من ترع الجنة، و ذكر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك لأمته للترغيب في العمل في هذا المحل الشريف ليفضي بصاحبه إلى ذلك، و هذا في الحقيقة جمع بين القولين الأولين، و سيأتي في الزيارة ما ذكره ابن عساكر من أن الزائر يأتي المنبر الشريف، و يقف عنده، و يدعو.
معنى أن الروضة من رياض الجنة
و اختلفوا أيضا في معنى ما جاء في الروضة الشريفة، قال الحافظ ابن حجر: محصل ما أول به العلماء ذلك أن تلك البقعة كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة و حصول السعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر، لا سيما في عهده (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فيكون مجازا، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة، فيكون مجازا أيضا، أو هو على ظاهره، و أن المراد أنها روضة حقيقة بأن ينقل ذلك الموضع إلى الجنة؛ ثم قال: و هذه الأقوال على ترتيبها هذا في القوة، و هو محتمل لتقوية الأول أو الأخير، و الأخير أقواها عندي، و هو الذي ذهب إليه ابن النجار، و نقله البرهان ابن فرحون في منسكه عن ابن الجوزي و غيره عن مالك، فقال:
و قوله: «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة» حمله مالك (رحمه الله) على ظاهره، فنقل عنه ابن الجوزي و غيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إلى الجنة، و أنها ليست كسائر