وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٨ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
الداخل و الخارج في جهة المشرق على ما قدمناه، فتردد متولي العمارة في نقب الجدار الشامي لإحكام ذلك الشق و ترميم الشق المقابل له.
ثم عزم على هدم الجدار المذكور- أعني: جدار الحجرة الداخل من جهة الشام- بأجمعه، فبدأ برفع السقف الذي وجد على الحجرة نفسها كما قدمناه، و حينئذ ظهر لهم ساحة الحجرة الشريفة، و ستر اللّه تعالى القبور الشريفة عن الأعين بالردم، ثم علمت أن هذا الموطن يطلب فيه من التثبت و الأدب التام ما لا يطلب في غيره، فانصرفت عازما على أن لا أحضر معهم ما داموا في تعاطي الهدم و أن أحضر معهم في البناء. ثم أفاضوا في عقد قبة سفلية على جدار الحجرة الداخل رعاية الإتقان و الإحكام فكرهت ذلك لعلمي أنه يجر إلى هدم معظم الحجرة مع ما فيه من تغيير الهيبة الأولى.
ثم في حادي عشر شعبان المذكور أجمعوا أمرهم على ذلك، فشرعوا في هدم الجدار الشامي و الشرقي من البناء الداخل، فوجدوا في الجانب الذي يلي المغرب من الجدار الشامي، و كذا فيما يقابله من القبلي، و كذا في الغربي عند ما هدموا أسفل السترة المبنية على السقف المحترق بين فصوص الأحجار و أعلاها مع رأس الجدر المذكورة لبنا غير مشوى طول اللبنة منه أرجح من ذراع و عرضه نصف ذراع، و سمكه ربع ذراع، و طول بعضه و عرضه و سمكه واحد و هو نصف ذراع، و لم يجدوا مثل ذلك في الجدار الشرقي، و لا فيما يليه من الشامي و القبلي، و قد عاب بعض الناس على الأقدمين في وضعهم ذلك في الجدار، و نسبهم به إلى التقصير، و ربما قال: إن البنائين زمن الوليد لما أمر ببناء المسجد على يد عمر بن عبد العزيز كانوا كفارا، و إن ذلك من غشهم، و هذا جهل من قائله.
و قد قدمنا من شرح حال بناء الحجرة ما فيه كفاية، و تقدم أن عمر بن الخطاب أو ابن الزبير هو الباني للحجرة على ما رواه ابن سعد، و لو سلّم أن تلك البناية في ولاية عمر بن عبد العزيز للعمارة المتقدمة فهو أتقى لله من أن يهمل قبر نبيه بيد الكفار حتى يغشوا في بنائه بمثل ذلك. و قد ظهر لي في ذلك أن السلف لما بنوا الحجرة الشريفة بالأحجار لقصد الإحكام و البقاء، و كان ما عدا الأساس منها مبنيا باللبن في عهده (صلّى اللّه عليه و سلم) كما يؤخذ مما قدمناه، فرأوا أن لا يخلو بناؤهم من بركة ذلك اللبن، فوضعوا منه ما رأوا فيه الصلابة بين الأحجار المبنية بالقصّة، و لو لا إتقان ذلك البناء لما مكث هذه المدة المديدة، و العجب أن الخلل و الانشقاق لم يحصل إلا في الناحية الخالية منه، و قد قدمنا أن الذي يظهر أن تلك الناحية سقطت و أعيدت، و اختلاف البناءين شاهد بذلك، حتى إن الجدار الشرقي لم يكن مبنيا بالحجارة الموجّهة إلا من داخله دون خارجه، و عرض منقبته أقل من عرض بقية الجدر. و لما بلغوا في هدم الجدار الشامي أرض الحجرة الشريفة شرعوا في تنظيف الردم الساتر للقبور