وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٥ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
و لما نزعوا القائم العتيق و ما تحته من الصندوق وجدوا ما تحت ذلك من أحجار الأسطوانة المذكورة متشطبا، و أحجارها قطع مجوفة كالخرز، و كذا كل أساطين المسجد العتيقة، و في جوفها الرصاص و عمد الحديد، و أهل المدينة يسمون كل قطعة منها خرزة، و يسمونها أيضا فلكة، فاقتضى رأيهم تعميق ما على رأس الأسطوان المذكور من أخشاب السقف، فجعلوا مرمة من الأخشاب حول الأسطوان المذكور ليكسروا الخرز المشقق من ذلك الأسطوان، و هن ست، ثم يعلقون ما صح من الأسطوان إلى أن يدخلوا مكان ذلك بدله، ثم شرعوا في كسر تلك الخرز و نزعها، فتعسر ذلك عليهم، و حصل بسببه دق عنيف، حتى كانت جدران الحجرة تهتز له لاتصالها بالأسطوان المذكور، فحصل بسبب ذلك كلام من الناس، و لكن بعد كسر بعض الخرز و إخراجه، و كانوا يعالجون في إخراج الرصاص أيضا علاجا أعظم من العلاج في الحجر، فعقدوا مجلسا، و طلبني متولي العمارة للحضور فيه، فترددت لأنه بلغني أن بعض الناس أوغر صدره مني و قرر عنده أني حريص على ألّا تكون هذه العمارة على يده، و كنت أرى منه محبة و ميلا ثم تنكر بعض التنكر، و علمت أن الرجوع عن إصلاح الأسطوانة المذكورة غير ممكن لكسر بعضها و إخراجه، فعلمت فوات وقت النظر، فأجبت الرسول بذلك، و لم أحضر معهم مع علمي بأن بعض أهل المجلس كان مغري بمخالفة ما أشير به، و إن كان في غاية الوضوح، سامحه الله، ثم افترقوا على إتمام ذلك، فمكثوا أياما يعالجونه حتى تم، و أعادوا مكان تلك الخرزات الست مثلها من خرز أسطوان نقضوه من أساطين مسجد قباء، فكان ذلك بقدر تلك الخرز سواء، و أحكموا إعادتها بالرصاص و عمد الحديد أحسن إحكام.
و قد كنت أستبعد قدرتهم على ذلك، و أتعجب من قيام بقية الأسطوان من أعلاه، مع رفع أسفله، و كونه كالجبل من الحجر و الرصاص، و لكن ساعدهم المدد المحمدي في ذلك مع حسن معرفة المعلم المباشر لسبك الرصاص.
ثم كان ما تقدم من إعادة الصندوق المذكور و القائم فوقه إلى محلهما، و نقض الرخام المؤزّر به جدار الحجرة الظاهر و تجديده كما تقدم، و عند قلع رخام الصفحة الآخرة من الزاوية الشمالية إلى الصفحة الشرقية مع ما يليها من صفحة المشرق عند منعطفها ظهر الشق المتقدم ذكره و هو انشقاق قديم سدّ الأقدمون خلله بكسر الآجر و أفرغوا فيه الجص و بيضوه بالقصّة فانشق البياض من رأس وزرة الرخام إلى رأس الجدار المذكور، فأرادوا اختبار ما تحت البياض ليعلموا قدره، فقشروا البياض عنه، و أخرجوا ما في خلله من الجص و الآجر، فظهر من خلله بناء الحجرة المربع الذي هو جوف البناء المخمس المذكور فظهر منه ملتقى حائطه الشامي و حائطه الشرقي، و ظهر هناك شق أيضا في جدار الحجرة الداخل عند ملتقى