وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٦ - المشربة
بمائة ألف و ثمانين ألف درهم، و قيل: بمائتي ألف، و شرط لها سكناها حياتها، و حمل إليها المال، فما قامت من مجلسها حتى قسمته، و قيل: بل اشتراه ابن الزبير من عائشة، و بعث إليها خمسة أجمال تحمل المال، و شرط لها سكناها حياتها، ففرقت المال.
و أسند ابن زبالة عن هشام بن عروة قال: إن ابن الزبير ليعتد بمكرمتين ما يعتد أحد بمثلهما: أن عائشة أوصته ببيتها و حجرتها، و أنه اشترى حجرة سودة.
قلت: و هذا يقتضي أن الحجر الشريفة كانت على ملك نسائه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يؤيده ما تقدم من تصرف أم سلمة و بنائها لحجرتها في غيبته (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يعارضه ما تقدم من أن زينب بنت خزيمة لما توفيت أدخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أم سلمة بيتها، و قد أضيفت البيوت في القرآن العظيم مرة إليه (صلّى اللّه عليه و سلم) و مرة إليهن، و الظاهر أن الإضافة الأولى هي الحقيقية؛ لما تقدم من أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بناها، و لأنه كان يجب عليه إسكانهن، غير أن لهن فيها بعده حق السكنى لحبسهن لحقه (صلّى اللّه عليه و سلم).
و قال الزبير بن المنير: إن غرض البخاري حيث ترجم بقوله «باب ما جاء في بيوت أزواج النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)» و ما نسب من البيوت إليهن و قول الله عز و جل وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ [الأحزاب: ٣٣] لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣] أن يبين أن بهذه النسبة تحقيق دوام استحقاقهن البيوت ما بقين؛ لأن نفقتهن و سكناهن من خصائص النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، و السر فيه حبسهن عليه، انتهى. و يحتمل أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) كان قد ملّك بعضهن بيتها، أو ملكهن كلهن كما ذهب إليه بعضهم.
قال الطبري: قيل: كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) ملّك كلا من أزواجه البيت التي هي فيه فسكّن بعده فيهن بذلك التمليك، و قيل: إنما لم ينازعن في مساكنهن لأن ذلك من جملة مئونتهن التي كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) استثناه لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال: ما تركت بعد نفقة نسائي و مئونة عاملي فهو صدقة، قال الطبري: و هذا أرجح، و يؤيده أن ورثتهن لم يرثوا عنهن منازلهن، و لو كانت البيوت ملكا لهن لانتقلت إلى ورثتهن، و في ترك ورثتهن حقوقهم منها دلالة على ذلك، و لهذا زيدت بعدهن في المسجد لعموم نفعه للمسلمين، انتهى.
و قد يناقش فيما ذكره من عدم إرث ورثتهن لمنازلهن؛ إذ لا يلزم من عدم نقله انتفاءه مع أن في قصة إدخال بيت حفصة في المسجد و ما وقع من آل عمر في أمر طريق بيت حفصة ما يشهد لأن ورثتهن ورثوا ذلك، و يحتمل أن إدخال الحجر في المسجد كان بعد شرائها من الورثة، و قد تقدم عن ابن سعد ما يشهد لذلك، و قد قال في طبقاته أيضا:
أخبرنا إسرائيل عن جابر عن عامر قال: مات رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) و لم يوص إلا بمسكن أزواجه و أرض، انتهى. و هذا يحتمل الوصية للأزواج بذلك، و يحتمل غيره، و الله أعلم.
و ادعى المهلب أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) كان قد حبس عليهن بيوتهن، ثم استدل به على أن من