وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٢٠ - رواية عبد اللّه بن محمد بن عقيل
قلت: و هذه الرواية نقلها رزين عن عبد اللّه بن عقيل، و ساقها باللفظ السابق، إلا أنه قال: و رأيت القبور، فإذا قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من أمام، و ذكر ما قدمنا عنه في الرواية الأولى، و هو مخالف لما في هذه الرواية، و هو أولى بالاعتماد؛ لأن هذه الرواية ضعيفة مع بعدها مما سيأتي في وصف الحجرة الشريفة، سيما على ما سبق من قسم عائشة (رضي الله عنها) الحجرة باثنين، و لها شاهد لكنه ضعيف أيضا، و هو ما في طبقات ابن سعد عن مالك بن إسماعيل- أظنه مولى لآل الزبير- قال: دخلت مع مصعب بن الزبير البيت الذي فيه يعني قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر و عمر (رضي الله عنهما)، فرأيت قبورهم مستطيلة، انتهى.
و في رواية للآجري ما يوهم صفة ثامنة؛ فإنه ذكر عقب الخبر المتقدم عن رجاء بن حيوة في إدخال الحجرة في المسجد ما لفظه: قال رجاء: فكان قبر أبي بكر وسطه، و لم يذكر فيه عمر (رضي الله عنه)، فإن الضمير في قوله «وسطه» إن كان للبيت فواضح، و إن كان للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) فهذه صفة أخرى، لكن ينبغي تأويلها أيضا على التجوز في لفظ الوسط ليوافق رواية غيره.
و أما ما أخرجه أبو يعلى عن عائشة: أبو بكر عن يمينه، و عمر عن يساره؛ فسنده ضعيف أيضا، و يمكن تأويله كما قاله الحافظ ابن حجر.
و حينئذ فلم يبق إلا الروايتان الأوليان فهما اللتان يتردد بينهما في الترجيح، و الأولى هي المشهورة، و مقتضى تصحيح الحاكم لإسناد الثانية ترجيحها، و هي أصح الروايات، و قد اشتملت على أن القبور لم تكن مسنّمة [١] و قد قال يحيى: حدثني هارون بن موسى- قلت:
و لا بأس به- قال: حدثني غير واحد من مشايخ أهل المدينة أن صفات القبور الشريفة مسطوحة عليها بطحاء من بطحاء العرصة حمراء.
و روى ابن زبالة من طريق عمرة عن عائشة قالت: ربّع قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و جعل رأسه مما يلي المغرب.
و أما ما في صحيح البخاري عن سفيان التمار أنه رأى قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مسنما، زاد أبو نعيم في المستخرج: و قبر أبي بكر و عمر (رضي الله عنهما) كذلك، و رواه ابن سعد عنه بلفظ: رأيت قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و أبي بكر و عمر مسنّمة، فلا يعارض ما قدمناه؛ لأن سفيان ولد في زمان معاوية فلم ير القبر الشريف إلا في آخر الأمر، فيحتمل- كما قال البيهقي- أن القبر لم يكن في الأول مسنما، ثم سنم لما سقط عن الجدار؛ فقد روى يحيى عن عبد الله ابن الحسين قال: رأيت قبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مسنما في زمن الوليد بن هشام. و في رواية أخرى
[١] سنّم القبر: رفعه و علّاه عن وجه الأرض كالسنام و لم يسطحه.