وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٣٤ - من آثار قايتباي بالحرمين الشريفين
ذي القعدة سنة ثمان و ثمانين و ثمانمائة، و سرّ أهل الخير بذلك، و تضاعفت أدعيتهم للسلطان نصره الله تعالى، و هذا من أعظم محاسنه.
من آثار قايتباي بالحرمين الشريفين
و من ذلك إجراء عين خليص بعد انقطاعها مرة بعد أخرى، و هي من أحسن مناهل الحج و أعذبها، و كذلك بركة الروحاء.
و من ذلك عمارة مسجد الخيف بعد أن تهدم بأجمعه، و إنشاء المنارة و السبيل اللذين عند بابه، و إجراء المعلوم لمن يؤذّن بتلك المنارة و لمن يؤم بالمسجد المذكور.
و من ذلك إحداث الظل بمقدم مسجد نمرة المنسوب لإبراهيم الخليل، على نبينا و عليه أفضل الصلاة و السلام، و قد كان الحجاج يقاسون به شدة من حر الشمس في ذلك اليوم، فالله تعالى يظله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
و من ذلك إجراء عين عرفة من بطن نعمان، بعد أن دثرت و انمحت معالمها و اندرست، و عمارة بركها و مجاريها، حتى فاضت الأنهار بأقاصيها و أدانيها، و أوصلها إلى مسجد نمرة، و أنشأ به صهريجا يجتمع فيه الماء، فأذهب بذلك عن الحج الأعظم الظمأ، و قد كنت أرى الفقراء في كل سنة في ذلك اليوم لا يسألون غالبا إلا الماء، و كان من أعز الأشياء هناك، فلم يبق له طالب، و لله الحمد، سقاه اللّه بذلك من حوض الكوثر.
و من ذلك المدرسة و الرباط اللذان عمر هما بمكة المشرفة، و لا نظير لهما فيها.
و من ذلك حجه في هذا العام، فإن ذلك لم يقع لأحد من ملوك مصر من نحو مائة و خمسين سنة، و كان آخر من حج منهم الملك الناصر محمد بن قلاوون، حج ثلاث حجات:
أولاها سنة عشر و سبعمائة، و ثانيتها سنة عشرين، و ثالثتها سنة اثنتين و ثلاثين و سبعمائة، و لم يحج أحد بعد ذلك من سلاطين مصر، و أرجو أن يفسح اللّه في أجل سلطاننا هذا حتى يدرك ذلك، و يتم له ما نواه من الخير بالحضرة النبوية.
و قد أنشأ بثغر اسكندرية برجا عظيما لم يسبق إليه، و شحنه بالأسلحة و الجند.
و لما توجهت إلى زيادة بيت المقدس رأيت له فيه و فيما بين مصر و بينه من الآثار العظيمة ما لم أره من غيره من الملوك من المدارس و المساجد و القناطر، و هذا المحل لا يحتمل بسط ذلك، و إنما ذكرنا من آثاره الجميلة ما يتعلق بالحجاز لأنه محل الغرض.
و هو ملك مطاع، محظوظ، صبور، غير عجل، كثير الحياء و الوقار و المهابة، إذا حاول أمرا لا يسرع فيه، بل يتأنى كثيرا، و يعظم أهل العلم و يجلهم.
و إنما أمتعنا بذكر ذلك هنا ليكون سببا في حث الواقف على ذلك على الدعاء لهذا الملك السعيد بإنجاح المطالب، و نيل المآرب، و لتنبعث همة من جاء بعده من الملوك على أن