وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٦٩ - الفصل الثامن و العشرون فيما تجدد من عمارة الحجرة الشريفة في زماننا على وجه لم يخطر قط بأذهاننا، و ما حصل بسببه من إزالة هدم الحريق الأول من ذلك المحل الشريف، و مشاهدة وضعه المنيف، و تصوير ما استقر عليه أمر الحجرة في هذه العمارة
الشريفة، و ذلك في صبيحة الثالث و العشرين من شعبان المذكور، و مكثوا في ذلك إلى غروب الشمس مع كثرتهم حتى بلغني أن الحجرة الشريفة امتلأت بهم، و لم يخصوا مكانا دون مكان، فظنوا أن القبر الشريف النبوي قريبا من وسط الحجرة، و ليس كذلك كما سنبينه، و وضعوا ما أخرجوه من الردم عند طرف المسقف الغربي في زاويته المتصلة بمسقف الدكاك، و بنى عليه متولي العمارة تلك الدكة البارزة هناك. ثم وفّى القضاي الزكوي بما وعد به متولي العمارة من كتابة المحضر، و كتب فيه أهل المدينة، و لم أكتب فيه، و اعتذرت بأنه لم يسبق لي عادة بمثل ذلك، و بعثوا به إلى مصر المحروسة، فلما كان في صبيحة الخامس و العشرين من الشهر المذكور بعث إليّ متولي العمارة لأتبرك بمشاهدة الحجرة الشريفة بعد تنظيفها، و صار قائل يقول: ظهر القبر الشريف، و قائل يقول: لم يجدوا لجميع القبور الشريفة أثرا، فحثّني داعي الشوق و غلبة الوجد، و استحضرت ما وقع لبعض السلف من سؤاله لعائشة (رضي الله عنها) أن تريه القبور الشريفة، و غير ذلك مما سبق و مما سيأتي في باب الزيارة، و وصف السلف للقبور الشريفة، و ذكرهم ذرع الحجرة الشريفة و كيفيتهما كما تقدم، فعزمت على الإقدام، و تمثلت بقول بعضهم:
و لو قيل للمجنون أرض أصابها * * * غبار ثرى ليلى لجدّ و أسرعا
لعلّ يرى شيئا له نسبة بها * * * يعلّل قلبا كاد أن يتصدعا
فتطهرت و توجهت لذلك مستحضرا عظيم ما توجهت إليه، و موقع المثول ببيت أوسع الخلق كرما و عفوا، و ذلك هو المعول عليه، و استحضرت بقول بعضهم:
عصيت فقل لي كيف ألقى محمدا * * * و وجهي بأثواب المعاصي مبرقع
ثم أنشدت الذي يليه:
عسى اللّه من أجل الحبيب و قربه * * * يداركني بالعفو فالعفو أوسع
و سألت اللّه أن يمنحني حسن الأدب في ذلك المحل العظيم، و يلهمني ما يستحقه من الإجلال و التعظيم، و أن يرزقني منه القبول و الرضى، و التجاوز عما سلف و مضى، فاستأذنت و دخلت من مؤخر الحجرة، و لم أتجاوز ذلك المحل، فشممت رائحة ما شممت في عمري رائحة أطيب منها، ثم سلمت بوجل و حياء، على أشرف الأنبياء، ثم على ضجيعيه خلاصة الأصفياء، و دعوت بما تيسر من الدعوات، و تشفعت بسيد أهل الأرض و السموات، و استنزلت به في بيته من الأزمات، و اغتنمت هذه الفرصة في جميع الحالات، و لله در القائل:
تمتّع إن ظفرت بنيل قرب * * * و حصّل ما استطعت من ادّخار
فقد وسّعت أبواب التداني * * * و قد قرّبت للزوار داري